فهرس الكتاب

الصفحة 868 من 1257

كلمة «الثقة» مشتقة من مادة وثق به، أي ائتمنه وسكن إليه، والموثق هو الائتمان، ويطلق على العهد المؤكد كالميثاق، لأنه يقع به الائتمان. والوثيق: الصلب الشديد. ويقال: عهد وثيق محكم، وعروة وثيقة أي محكمة لا تنقطع ولا تنفصم، ويقال للمتمسك بالدين: انه متمسك بالعروة الوثقى، أي متمسك بحبل قوي متين يعصمه من الزلل. والثقة فيها معاني الركون والاطمئنان والأمان.

والثقة بالله تبارك وتعالى خلق من أخلاق القرآن الكريم، وفضيلة من فضائل الإسلام العظيم، وجانب من هدى النبي الامين عليه الصلاة والتسليم، ويقول الإمام الهروي في بيان الشأن العظيم لهذه الفضيلة: «الثقة سواد عين التوكل، ونقطة دائرة التفويض، وسويداء قلب التسليم» .

ويأتي الإمام ابن القيم في كتابه «مدارج السالكين» ويعلق على عبارة الهروي الدقيقة العميقة فيقول:

«ومراده أن الثقة خلاصة التوكل ولبه، كما أن سواد العين أشرف ما في العين. وأشار بأنه نقطة دائرة التفويض إلى أن مدار التوكل عليه،

وهو في وسطه كحال النقطة من الدائرة، فإن النقطة هي المركز الذي عليه استدارة المحيط، ونسبة جهات المحيط إليها نسبة واحدة، وكل جزء من أجزاء المحيط مقابل لها، كذلك الثقة هي النقطة التي يدور عليها التفويض.

وكذلك قوله: سويداء قلب التسليم، فإن القلب أشرف ما فيه سويداؤه، وهي المهجة التي تكون بها الحياة، وهي في وسطه، فلو كان التفويض قلبا لكانت الثقة سويداءه، ولو كان عينا لكانت سوادها، ولو كان دائرة لكانت نقطتها».

ولقد تكررت كلمة «الميثاق» في القرآن، وهي تفيد معنى العهد المؤكد، الذي يفي به الإنسان ويخلص له، لأنه يعقده مع مستحق الثقة كلها، وهو الله جل جلاله الذي تؤمن به النفس وتثق فيه وتطمئن إليه، وها هو ذا كتاب الله المجيد يقول مثلا:

«وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ» (1) .

ونحن نفهم من «المواثقة» هنا أن العباد يثقون بربهم إلى درجة اليقين، ويكون العبد وفيا لربه قدر طاقته، ويحفظ ميثاقه مع ربه قدر ما يستطيع، ومقابل هذا ان الله لا يخلف وعده، ولا يخون عهده: «وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ» ؟. فكأن الله تبارك وتعالى قد أثاب ثقة العبد بمثلها، بل بأكرم منها، ولله المثل الأعلى.

وآيات القرآن تشير إلى أن الله عز شأنه قد أخذ الميثاق - وعماده

(1) سورة المائدة، الآية 7.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت