فهرس الكتاب

الصفحة 281 من 1257

«التوبة» كلمة فيها معنى الرجوع والعودة: وفيها معنى طلب الوقاية، والبعد عن شر ما يخافه الإنسان في المستقبل من سيئات اعماله، وعرّفها العلماء بأنها الرجوع إلى الله تعالى: بالتزام فعل ما يحب، وترك ما يكره، وهناك من يصوّر معناها بأنه علم بضرر الذنب، وتألم في القلب بسبب ذلك، وندم على ما فات، وقصد إلى التخلص من الذنب، وترك للمعصية في الحال، والعزم على تركها في الاستقبال، وتدارك ما سبق من التقصير في سابق الأحوال.

ويذكر الاصفهاني ان التوبة هي ترك الذنوب على أجمل الوجوه، وهذا هو أبلغ وجوه الاعتذار، فإن الاعتذار على ثلاثة أوجه: اما ان يقول المعتذر: لم أفعل، أو يقول: فعلت لاجل كذا، أو فعلت وأسأت وقد أقلعت، وهذا الاخير هو التوبة.

وكلمة «التائب» تقال للعبد الذي توجه إلى الله بالتوبة، والتائب أيضا هو الله سبحانه وتعالى الذي تاب على عبده، وكلمة «التواب» تقال للعبد الكثير التوبة، وذلك بتركه كل وقت بعض الذنوب على الترتيب، حتى يصير تاركا لجميعها، والله تعالى من صفاته أنه «التواب» لكثرة قبوله توبة عباده حالا بعد حال.

ومعنى التوبة يتسع ويتسع حتى يكون فيه معنى الرجوع المستمر

عما يكرهه الله ظاهرا وباطنا، إلى ما يحبه ظاهرا وباطنا، ويدخل في مسماها الإسلام والإيمان والإحسان - كما يقول ابن القيم - وتتناول جميع المقامات، ولذلك كانت غاية كل مؤمن، وبداية الأمر ونهايته.

ولعلنا نستطيع - في ضوء هذا التحديد - أن نفهم جانبا من قصد الرسول عليه الصلاة والسّلام في قوله: «يا أيها الناس، توبوا إلى الله، فو الله إني لأتوب إليه في اليوم اكثر من سبعين مرة» . ويروى ان الرسول كان يكثر في مجلسه من قوله: «رب اغفر لي وتب علي انك أنت التواب الغفور» . وحينما نزلت عليه سورة: (إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ) كان يقول عقب صلواته: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي» .

ومما يدلنا على أن التوبة خلق يصاحب المؤمن في مسيرته الحديث الذي يقول: «ان الله يحب العبد المفتن التواب» أي الذي كلما فتن بالذنب تاب ورجع. وحسب هذه الفضيلة شرفا ان يقول الحق عز وجل في شأنها: (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) (1) . ويقول حجة الإسلام الغزالي: «التوبة عن الذنوب بالرجوع إلى ستار العيوب وعلام الغيوب: مبدأ طريق السالكين: ورأس مال الفائزين، وأول أقدام المريدين، ومفتاح استقامة المائلين، ومطلع الاصطفاء والاجتباء للمقربين» .

ولقد تحدث الإمام ابن القيم عن منازل السالكين، وهم يرتقون بأرواحهم في مراتب الأدب والتهذيب، ثم قال: «ومنزل التوبة أول المنازل واوسطها وآخرها، فلا يفارقه العبد السالك، ولا يزال فيه إلى الممات، وان ارتحل إلى منزل آخر ارتحل به، واستصحبه معه، ونزل به، فالتوبة هي بداية العبد ونهايته، وحاجته إليها في النهاية ضرورية، كما أن حاجته إليها في البداية كذلك» .

(1) سورة البقرة، الآية 222.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت