يقال: وكل فلان الأمر إلى غيره، أي اعتمد عليه، ووثق به أن ينجزه، والوكيل هو الذي يوكل إليه الأمر، وقد تطلق كلمة «الوكيل» بمعنى الحفيظ، لأنه الذي يرعى الأمر ويعنى به، وقد تطلق بمعنى الرقيب المطلع، لأن من شأن الوكيل أن يراقب ما يوكل إليه، وقد تطلق بمعنى الناصر، لأن الوكيل يركن إليه من يكل أمره إليه.
والتوكل في اللغة يقال على وجهين: الأول توكلت لفلان بمعنى توليت له، ويقال وكلته فتوكل لي، وتوكلت عليه بمعنى اعتمدته. والتوكيل أن تجعل غيرك نائبا عنك وتعتمد عليه.
والتوكل في الدين هو أن يفوض الإنسان أمره إلى ربه، ويكتفي به فيه، ولذلك كان معنى التوكل بلفظ التفويض في قول القرآن في سورة غافر: (فَسَتَذْكُرُونَ ما أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللهِ إِنَّ اللهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ) . أي أرد أمري كله إلى الله. ولقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو فيقول: «اللهم إني أسلمت نفسي إليك، وفوضت أمري إليك» .
والتوكل فضيلة إسلامية مفروضة، إذ بها يتحقق معنى الإيمان، حتى قيل: من لا توكل له لا إيمان له، وكأنهم استمدوا ذلك من قول الله تبارك وتعالى: (وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) ، وقد تكرر
قوله سبحانه: (وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) ست مرات في سور: آل عمران (مرتين) والمائدة والتوبة والمجادلة والتغابن.
ويقول العلماء ان التوكل نصف الدين والنصف الآخر هو الإنابة، لأن الدين استعانة وعبادة، فالتوكل هو الاستعانة، والإنابة هي العبادة، كما أن التوكل الحقيقي الصادق يكون طريقا للفوز والنصر، وهذا هو «تفسير المنار» يتحدث عن قول الله تعالى في سورة الأنفال: (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَإِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) فيقول هذه العبارة:
(وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ) : أي يكل إليه أمره مؤمنا إيمان اذعان واطمئنان بانه هو حسبه وكافيه، وناصره ومعينه، وأنه قادر لا يعجزه شيء، عزيز لا يغلبه ولا يمتنع عليه شيء أراده، (فَإِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) : أي فهو تعالى - بمقتضى عزته وحكمته، عند إيمانهم به، وتوكلهم عليه - يكفيهم ما أهمهم، وينصرهم على أعدائهم، وان كثر عددهم، وعظم استعدادهم، لأنه عزيز غالب على أمره، حكيم يضع كل أمر في موضعه، على ما جرى عليه النظام والتقدير في سننه، ومنه نصر الحق على الباطل.
بل كثيرا ما تدخل عنايته بالمتوكلين عليه في باب الآيات وخوارق العادات، كما حصل في غزوة بدر، وآيات الله لا نهاية لها، وان أجمع المحققون على أن التوكل لا يقتضي ترك الأسباب من العبد، ولا الخروج عن السنن العامة في أفعال الرب».