فهرس الكتاب

الصفحة 427 من 1257

كما أن التوكل الحقيقي الصادق يفتح أمام صاحبه طريقا إلى الجنة بغير حساب، فقد جاء في الحديث المتفق عليه أن سبعين ألفا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم يدخلون الجنة بغير حساب: «هم الذين لا يسترقون (من الرقية) ، ولا يتطيرون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون» . ولا عجب فالتوكل كل رجوع بصير كامل إلى رحاب الله عز وجل، وهذا يورث الرضا الإلهى، وهو الفوز الأكبر، ومن هنا يقول أبو عثمان

الجيري: «التفويض رد ما جهلت علمه إلى عالمه، والتفويض مقدمة الرضا، والرضا باب الله الأعظم» ، ومن توكل على الله ورضي به ربا وهاديا، رضي الله عنه، والتنزيل المجيد يقول: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ، جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ، ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ) .

والتوكل الحقيقي الصادق يجعل كل ما يسوقه الله إلى عبده طيبا وطاهرا وكريما، ولذلك يقول ابن سالم البصري: «التوكل على الله فريضة، لقوله تعالى (وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) ، والحركة في طلب الرزق مباح لمن عجز عن التوكل، فإن الله تعالى يقول (أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ) ، مما يفتح بالطلب والكسب منه طيب وخبيث، وما يفتح بالتوكل لا يكون إلا طيبا، لأن ذلك من معدن طيب» .

والله جل جلاله هو خير من يعتمد عليه، ويوكل إليه، ويستمد منه، ويستعان به، وكذلك ورد قول القرآن: (وَكَفى بِاللهِ وَكِيلًا) ثلاث مرات في سورة النساء، كما ورد في سورة آل عمران: (وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) . وجاء في سورة الإسراء: (وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا) .

والتوكل الحقيقي الصادق هو أسطع برهان على تحقيق عقيدة التوحيد في قلب المتوكل وعقله، ولذلك كان التوكل - كما يصور رشيد رضا - أعلى مقامات التوحيد، فالمؤمن الموحد الكامل لا يتوكل على مخلوق مربوب لخالقه مثله، بل مشهده في المخلوقات أنها أسباب سخر الله تعالى بعضها لبعض في نظام التقدير العام، الذي أقام الله به أمور العالم المختار منها وغير المختار، فكلها سواء في الخضوع لسننه في الأسباب والمسببات، وهي فيما وراء تسخيره إياها متساوية في عجزها عن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت