فهرس الكتاب

الصفحة 796 من 1257

المعرفة في الأصل هي ادراك الشيء بتفكر وتدبر لأثره، وقد تشتبه المعرفة بالعلم، مع أن معنى المعرفة أخص من العلم، فمعرفة البشر لله تعالى هي بتدبر آثاره، دون ادراك ذاته، والعلم هو ما يدرك بواسطة كسب أو بلا واسطة، والمعرفة هي ما يدرك بواسطة من الكسب فقط. كما أن المعرفة تفترق عن العلم استعمالا في أن العلم يقال لادراك المركب، والمعرفة تقال لادراك البسيط.

ومن المعرفة جاء وصف «العارف» وهو المختص بمعرفة الله ومعرفة ملكوته وحسن معاملته، وبهذا تكون المعرفة أعظم درجة من العلم، ومن هذا الباب تصبح المعرفة خلقا من أخلاق القرآن الكريم، وفضيلة من فضائل الإسلام العظيم، وجانبا من هدى الرسول عليه الصلاة والتسليم.

ويعبر بعض أطباء القلوب والارواح عن معنى هذه المعرفة، فيقول: «المعرفة حياة القلب مع الله» . ويقال: العارف من أنس بالله فأوحشه من الخلق، وافتقر إلى الله فأغناه عنهم، وذل لله فأعزه فيهم، وتواضع لله فرفعه بينهم، واستغنى بالله فأحوجهم إليه.

والعارف ابن وقته، بمعنى انه يشغل نفسه على بصيرة بواجب وقته الحاضر، فلا يشغلها بما مضى وصار في العدم، ولا يشغلها بما لم يدخل

في الوجود، بل همه أن يعمر وقته بواجبه، حتى لا يضيع عليه واجب.

ولعل كتاب الله المجيد قد أشار إلى شيء من مفهوم المعرفة الأخلاقي، حينما قال في سورة المائدة:

«وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ، وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ، فَأَثابَهُمُ اللهُ بِما قالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ» (1) .

أي إذا سمع هؤلاء ما أنزله الله عز شأنه من القرآن على رسوله محمد صلى الله عليه وآله ترى - أيها الناظر - دموعهم تسيل بغزارة من عيونهم. وذلك من أجل ما عرفوه من الحق الذي بينه لهم القرآن، ولم يمنعهم عن ذلك مانع من استكبار أو عناد أو عتو. وهذه حالهم وقد سمعوا بعضا من القرآن، فكيف لو سمعوه كله؟. ان المعرفة ستكون أشمل وأكمل.

ويعلق القرطبي على هذا النص الكريم، فيذكر من أحوال العلماء العارفين بالله أنهم يبكون ولا يصعقون، ويسألون ولا يصيحون، ويتحازنون ولا يتموتون، كما قال الله تعالى:

«اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ

(1) سورة المائدة، الآيات 83 - 85.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت