«الخشية» كما تحدثنا لغة القرآن الكريم. خوف يشوبه تعظيم للمخوف، أو شعور بخطره، والخشية من الله عز وجل هي الخوف من غضبه وعقابه، وتدل الخشية على الخضوع والاتقاء كذلك، والغالب أن الخشية تكون عن علم بما يخشى منه، ولذلك اختص الله بها العلماء في قوله: «إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ» .
وفي مادة «الخشية» معنى الحذر والابقاء على الشيء، ولذلك جاء في حديث خالد أنه «لما أخذ الراية يوم مؤتة دافع الناس، وخاشى بهم» أي أبقى عليهم وحذر، ولعل ذلك لأن الخاشي من شيء يحرص على تجنب ذلك الشيء وعدم التعرض له.
ومن عجيب أمر هذه المادة - مادة الخشية - أنها تستعمل أحيانا بمعنى الرجاء، ومن ذلك قول ابن عباس لعمر: «لقد أكثرت من الدعاء بالموت حتى خشيت أن يكون ذلك أسهل لك عند نزوله» فكلمة خشيت هنا بمعنى رجوت. ولعل ذلك لأن من خشي شيئا توقعه وترقب مجيئه.
وقد يقترب معنى الخشية من معنى «الخوف» حتى تشتبه به عند كثير من الناس، ولكن هناك فرقا بينهما أشار إليه «تفسير المنار» وهو أن
الخشية هي الخوف في محل الأمل، ولقد تحدثت عن الفرق بينهما في كتابي «أخلاق القرآن» فقلت هذه العبارة: «وإذا وأصلنا قراءتنا في كتب السلف فيما يتصل بالخوف وجدنا جملة ألفاظ متقاربة، وان لم تكن مترادفة، ومنها: الخوف، والخشية، والرهبة، والوجل، والهيبة. وقد قالوا في التفرقة الدقيقة بينها: ان الخوف هرب من حلول المكروه عند استشعاره، وهو لعامة المؤمنين، وصاحبه يلتجئ إلى الهرب والامساك. والخشية أخص من الخوف، وهي للعلماء العارفين بالله، المشار إليهم بقوله تعالى: «إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ» . وصاحب الخشية يلتجئ إلى الاعتصام بالله، وعلى قدر العلم تكون الخشية، ولذلك قال سيدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام: «اني لأعلمكم بالله وأشدكم له خشية» (1) .
وقد فرقوا بين الخوف والخشية، فقالوا ان الخوف خشية سببها ذلّ الخاشي، وان الخشية خوف سببه عظمة المخشيّ، ولذلك كان العلماء بالله أكثر خشية، لأنهم عرفوا عظمة الله فخافوه، لا لذل منهم، بل لعظمة جانب الله. والعبد إذا نظر إلى نفسه وجدها في غاية الضعف، فيشعر بالخوف، وإذا نظر إلى حضرة الله تعالى رآها في غاية العظمة فيشعر بالخشية، ودرجة الخشية فوق درجة الخوف، وان قربت منها واتصلت بها».