يقول الله تبارك وتعالى في سورة الأحقاف: (إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ، أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ) .
وكلمة «الاستقامة» تفيد - كما في لسان العرب - معنى الاعتدال والاستواء يقال، استقام له الأمر، أي اعتدل، ومن ذلك ما ورد في السنة بشأن الاصطفاف في الصلاة، وهو: «تسوية الصف من إقامة الصلاة» أي جعلها سليمة معتدلة، وكلمة «الاستقامة» مشتقة من مادة «القيام» . وفي هذه المادة معنى الملازمة والمحافظة والثبات، وعلى هذا جاء قوله تعالى: (إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا) أي ملازما ومحافظا. ويقال: قام عندهم الحقّ، أي ثبت ولم يبرح، وكذلك جاء في كتاب الله العزيز: «من أهل الكتاب أمة قائمة» ، أي جماعة ثابتة على الدين متمسكة به.
وقد تأتي المادة بمعنى الإصلاح والنهوض بالتبعات، ومن ذلك قول الله تعالى: (الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ) . وفي مادة الاستقامة معنى الدوام والاستمرار، وقد جاء في الحديث «استقيموا لقريش ما استقاموا لكم» أي دوموا لهم على الطاعة، واثبتوا عليها، ما داموا على الدين، وما داموا ثابتين على الإسلام. كما جاء في الحديث: «العلم ثلاثة: آية محكمة، أو سنة قائمة، أو فريضة عادلة» . قال العلماء: إن القائمة هي الدائمة المستمرة، التي يتصل بها العمل ولا يترك، وبمثل هذا فسروا قول القرآن الكريم في شأن المؤمنين: (وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ)
أي يديمونها. ولقد روى حكيم بن حزام عن نفسه فقال: «بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا أخرّ إلا قائما» . أي لا أموت إلا مستقيما ثابتا على الإسلام مستمسكا به.
ومن هذا البيان نفهم أن الاستقامة في لغة القرآن هي الإقامة على الإسلام، والدوام على هدى الله عز وجل، والاستمرار في التقيد بقيوده، والوقوف عند حدوده، والاستجابة لأوامره، والانتهاء عن محارمه، وهذا هو عمر الفاروق يقول: «الاستقامة أن تستقيم على الأمر والنهي، ولا تروغ روغان الثعلب» . ومفهوم هذا أن خلق الاستقامة يبعد صاحبه عن التلون والتذبذب، وعن النفاق والرياء، فالمستقيم قد عرف طريقه، وآمن بعقيدته، ومضى على سبيله، لا يميل ولا ينحرف، ولعل هذا هو الذي جعل ابن تيمية يقول: «الاستقامة كلمة جامعة، آخذة بمجامع الدين، وهي القيام بين يدي الله على حقيقة الصدق، والوفاء بالعهد، والاستقامة تتعلق بالأقوال والأفعال والأحوال والنيات» . ويقول ابن القيم: «أعظم الكرامة لزوم الاستقامة» ، لأن من لازم الاستقامة فلم يخدع ولم ينافق، يكون كريما على نفسه غاية الكرامة، إذ لم يقبل لها أن تنحط إلى درك التلون أو التذبذب، ويكون كريما على ربه، لأن الله جل جلاله يختص برحمته ونعمته ومرضاته أولئك الذين يخلصون أعمالهم وأقوالهم وأحوالهم لوجه ربهم سبحانه.