فهرس الكتاب

الصفحة 158 من 1257

ولا عجب في ذلك، لأن فضيلة الاستقامة هي التي تجعل صاحبها على الدوام يحاسب نفسه، ويراقب ربّه، ويلتزم صراطه، ويعمر سلوكه وتصرفه بخلوص النية لله، وصدق التوجه إلى الله، فتكون استقامته نورا يسعى بين يديه فيهديه الطريق، وروحا يضيء جوانب الإنسان المستقيم ويصرّفه التصريف القويم، ومن هنا قال الهروي: «الاستقامة روح تحيا به الأحوال» .

وأساس الاستقامة في الإسلام - كما يصورها القرآن المجيد - هو الاهتداء إلى طريق الله سبحانه، والإيمان به موجدا وربا، وإفراده بالعبودية له، والعبادة لوجهه، وعدم الانصراف إلى سواه، لأنه: لا إله إلا الله، هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، ومهما تعددت الطرق، أو تكاثرت السبل، أو ضل في الكون ضالون، فافتروا آلهة أو معبودات، من إنس أو جن أو نبات أو جماد، فالمؤمن المستقيم ثابت على طريق الوحدانية، دائم في إخلاص العبادة لربه، ملازم طريقه وحده، لا يحيد عنه، وقد أشار القرآن الحكيم إلى ذلك حين قال: (وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ، وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ، ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) . وحين قال: (وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) . وحين قال: (وَإِنَّ اللهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) . وحين قال: (إِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) .

وهذا هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه يقول: «الاستقامة ألا تشرك بالله شيئا» . وقد قال العلماء إنه يريد بذلك الاستقامة على محض التوحيد، لأن من استقام على صدق التوحيد لله استوى على الصراط المستقيم في أعماله وأقواله، وفي أفكاره وخواطره «صبغة الله (1) ، ومن أحسن من الله صبغة، ونحن له عابدون» .

وفي هذا الفلك يدور قول ابن تيمية عن أهل الاستقامة «استقاموا على محبة الله وعبوديته، فلم يلتفتوا عنه يمنة ولا يسرة» .

وإذا كانت الاستقامة اعتدالا واستواء، وحفظا للحقوق، والتزاما

(1) صبغة الله: المراد طريق الله وشريعته المطهرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت