فهرس الكتاب

الصفحة 159 من 1257

بالواجبات، وتقيدا بالحدود، فإن ضد الاستقامة يكون هو الطغيان، وقد استدلوا على ذلك بقول الله عز من قائل: (فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) . وكلمة (فَاسْتَقِمْ) في هذه الآية الكريمة كلمة جامعة، تشمل العقيدة والعمل والقول والسلوك، فالله جل جلاله يطلب إلى نبيه صلوات الله وسلامه عليه، ومن ورائه أتباعه، أن يكونوا معتدلين مستقيمين على الصراط، بحيث لا يميل الإنسان إلى أحد الجانبين قيد شعرة، ولا شك أن هذا الاعتدال ليس بالأمر السهل أو اليسير، بل يحتاج إلى مجاهدة ومعاناة، ولذلك ذكر بعض المفسرين للآية أن تحقيق الاستقامة المطلوبة هنا أمر صعب، والبقاء عليه مع العمل بمقتضاه أشدّ وأصعب، وهذا هو عبد الله بن عباس رضوان الله عليهما يقول: «ما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم آية أشد ولا أشق عليه من هذه الآية» ، ولعل هذا يذكّرنا بقول الرسول عليه الصلاة والسّلام: «شيبتني هود وأخواتها» .

ويروي بعض الصالحين أنه رأى النبي في النوم، فقال: يا رسول الله، روي عنك أنك قلت: شيبتني هود وأخواتها. قال النبي: نعم. فقال الرجل: وبأي آية؟. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: «فاستقم كما أمرت» ...

وإذا كان تحقيق الاستقامة المثالية أمرا صعبا وشاقا، فإن هذا لا يسوّغ التقاعس عن طلب الاستقامة، بل واجب الإنسان المؤمن أن يتلمس إليها الوسائل، وأن يتابع نحوها الخطوات، وأن يستعين على ذلك بالطاعات والقربات، وقد أشار إلى ذلك رسول الله صلوات الله وسلامه عليه حين قال:

«استقيموا ولا تحصوا: واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مسلم» . ونفي الاحصاء في هذا الحديث يراد به عدم الاطاقة لتحقيق كمال الاستقامة عند كل الناس، فلا أقل من السعي نحوها، ومحاولة القرب

منها، والاستعانة على تحقيقها - كما ينبغي - بما يوصّل إليها من عبادة وتقوى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت