ولقد فسر الإمام جعفر الصادق كلمة (فَاسْتَقِمْ) في الآية بقوله: «افتقر إلى الله بصحة العزم» يعني الوثوق به والتوكل عليه، والالتجاء إليه. وإذا وجدت العزيمة في نفس الإنسان، وتبعتها مواصلة الخطوات على طريق الحق والعدل، كان بلوغ القصد ميسورا بفضل الله وعونه، ولذلك قال الإمام علي رضي الله عنه: «من سلك الطريق الواضح ورد الماء، ومن خالف وقع في التّيه» . والظاهر أن الإمام رضوان الله عليه قد قصد بالطريق الواضح الصراط المستقيم الذي ذكره الله عز وجل في كتابه مرات كثيرة، والذي جعله الله سبحانه مطلبا للمؤمنين، يرجون ربهم في تحقيقه لهم، فيدعونه بذلك في كل ركعة من صلواتهم حينما يقولون: (اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ) .
وإذا كان الإنسان محتاجا - دون شك - إلى دليل يدله على طريق الاستقامة وإلى رائد يروده على ذلك الطريق، فإن خير دليل وأصدق رائد في هذا المجال هو كتاب الله الذي يقول في شأنه رب العزة: (إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ، وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا) فالآية تخبرنا - وهي قول أصدق القائلين - بأن كتاب الله تعالى يهدي إلى الحالة التي هي أقوم الحالات، وإلى الطريقة التي هي أعدل الطرق، وهي طريقة الإيمان بالله، وشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، والإيمان برسله، والعمل بطاعته.
وقد أكّد الله تبارك وتعالى لعباده هذا المعنى حين قال عن كتابه: (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ، لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ) . فهذا القرآن بيان وهداية للناس جميعا، إذا أرادوا الهداية والرشاد، وإنما ينتفع بهداية القرآن الكريم
من شاء من هؤلاء أن يستقيم: (إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) .