كلمة «الكرامة» مشتقة من مادة «الكرم» ، والكرم في اللغة ضد اللؤم، وكرم فلان: سلك في حياته مسلكا مرضيا، وعزّ في ذاته وصار نفيسا، والكريم هو الشريف أو المنعم أو رضيّ الخلق، والرزق الكريم هو الرزق الطيب الموفور، وكرّم فلان فلانا تكريما وتكرمة: عظّمه ونزهه، وكرم الله وجهه: أي شرفه، والكريمان هما الحج والجهاد، وأكرم فلان نفسه عن الخنا، أي صانها ونزهها عما لا يليق بها، وأكرم القوم أشرفهم.
هذا حديث اللغة عن مادة «الكرامة» ، والكرامة بالمعنى الأخلاقي هي أن يحسن المرء الاحساس بآدميته وإنسانيته وبأنه صنع الله ومخلوقه، وان الله تبارك وتعالى قد وهب الإنسان تكريما وتمجيدا، فيلزم هذا الإنسان أن يكون مقدّرا هذه الهبة، صائنا هذا التكريم، مرتفعا بخلقه وقوله وعمله وسلوكه، إلى مستوى هذا التمجيد، فلا يصدر منه قول أو فعل أو سلوك يشين هذه الإنسانية التي كرمها الله جل جلاله، وزكّى شأنها، وأراد لها أن تكون تأهيلا لخلافة الإنسان في الأرض، وسيادته على غيره من المخلوقات فيها، ومن وراء هذا الاحساس لا يقبل الإنسان لنفسه أن يتعرض لما يسيء إلى شرفه أو سمعته في قليل أو كثير.
وفضيلة الكرامة قريبة من فضيلة العزة، لأن الكرامة يوجد فيها معنى الترفع عن الخسيسة، والتباعد عن المذلة، والتأبي على الضيم والهوان، والعزة فيها هذه المعاني، ولذلك قلت حين حديثي عن «العزة» في الجزء الأول من كتابي، «أخلاق القرآن» هذه العبارة عن شأن المسلم في موطن الابتلاء: «وإذا شاء الله تعالى له لونا من ألوان الاختبار والابتلاء تحمله راضيا صابرا، محتفظا بعزته وكرامته وشهامته، موقنا بأن احتمال الالم خير ألف مرة من التخاذل والاستسلام» (1) . وقد يجمع بين العزة والكرامة أن يسير المسلم في ضوء القول النبوي الجليل: «ان الله يحب معالي الأمور ويكره سفسافها» (2) .
والكرامة ضدها الذل والهوان، ومن هنا قال القائل الحكيم:
إذا أنت لم تعرف لنفسك حقها ... هوانا بها كانت على الناس أهونا
ويقول الآخر:
من يهن يسهل الهوان عليه ... ما لجرح بميت ايلام!!