تقول لغة العرب - وهي لغة القرآن الكريم: ان الوجه هو الجزء من الإنسان الذي فيه الفم والانف والعينان، ويطلق الوجه على الذات، لأن الوجه أشرف الاجزاء، ويطلق أيضا على صدر الشيء وأوله.
وأقام الشيء عدله وأزال عوجه. وأقام دين الله أظهره وعمل بتعاليمه، وأقام حدود الله: حافظ عليها ولم يجاوزها، وأقام وجهه للشيء: اهتم به، وأقبل عليه بنشاط، ومادة «أقام» تدور المعاني التي تفيدها حول النهوض، أو انتصاب القامة، أو الاعتدال، بالمعنى المادي أو المعنوي.
وفي المادة كذلك معنى الدوام والمحافظة.
وإقامة الوجه لله - أو إسلام الوجه لله - خلق من أخلاق القرآن الحكيم، وفضيلة من فضائل الإسلام العظيم، وجانب من هدي الرسول عليه الصلاة والتسليم، وهو خلق ينهض على أساس التوحيد لله، والإخلاص في طاعته، واللجوء إليه على الدوام، والرجاء منه في كل حال، وعدم الالتفات إلى سواه، وقد تحدث التنزيل المجيد عن هذا الخلق في مواطن كثيرة، فمن ذلك قوله في سورة البقرة:
«بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ، وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ» (1) .
وأسلم هنا معناها استسلم وخضع وفوض، وأخلص عمله لبارئه، أو كما يعبر «تفسير المنار» إسلام الوجه لله هو كمال التوجه إليه وحده، وتخصيصه بالعبادة دون سواه، كما قال في سورة الفاتحة:
«إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ» (2) .
وقد عبّر عن إسلام القلب، وصحة القصد إلى الشيء، بإسلام الوجه، كما عبر بتوجيه الوجه، أو إقامة الوجه، في مواطن أخرى، كما سنرى بعد قليل. وذلك لأن قاصد الشيء يقبل عليه بوجهه، فلما كان توجيه الوجه إلى شيء له جهة، تابعا لقصده، واشتغال القلب به، عبر عنه به، وجعل التوجه بالوجه إلى جهة مخصوصة - وهي القبلة - بأمر الله مذكرا بإقبال القلب على الله الذي لا تحدده الجهات.
فالإنسان يتضرع ويسجد لله تعالى بوجهه، وعلى الوجه يظهر أثر الخشوع. والمراد من إسلام الوجه لله افراده بالعبادة والإخلاص له، بأن لا يجعل الإنسان بينه وبين ربه وسطاء يقربونه إليه زلفى، فإنه أقرب إليه من حبل الوريد.
ويقول الله تعالى في سورة النساء:
«وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ
(1) سورة البقرة، الآية 112.
(2) سورة الفاتحة، الآية 5.