فهرس الكتاب

الصفحة 887 من 1257

الصلاح في اللغة ضد الفساد، أو ضد السيء، والصلح أيضا هو ازالة النفار بين الناس. ويقال: اصطلح القوم وتصالحوا. وإصلاح الله تعالى الإنسان يكون تارة بخلقه إياه صالحا، وتارة بازالة ما فيه من فساد بعد وجوده، وتارة يكون بالحكم له بالصلاح. والعمل الصالح هو ما يصلح للقبول، أو الذي ليس فيه عيب أو آفة.

والصلاح يراد به هنا أن يكون الإنسان صالحا في ذاته، قد بدأ بنفسه، فطهرها وهذبها، واقامها على الصراط، فأصبحت نفسا طيبة صالحة، ثم انتقل الإنسان بعد ذلك إلى إصلاح غيره وتهذيب سواه، ولذلك قال القائل الحكيم: «الصالحون يبنون أنفسهم، والمصلحون يبنون الأمم» . وقد أشار أبو حامد الغزالي إلى أن الجدير بالمسلم هو أن يبدأ بنفسه حتى يتحقق لها الصلاح، ثم يتدرج في إصلاح من حوله، مرحلة بعد مرحلة. قال على طريقته في «الاحياء» :

«فحق على كل مسلم أن يبدأ بنفسه، فيصلحها بالمواظبة على الفرائض وترك المحرمات، ثم يعلّم ذلك أهل بيته، ثم يتعدى بعد الفراغ منهم إلى جيرانه، ثم إلى أهل محلته، ثم إلى أهل بلده، ثم إلى أهل السواد المكتنف ببلده، ثم إلى أهل البوادي من الأكراد والعرب وغيرهم، وهكذا إلى أقصى

العالم، فإن قام به الأدنى سقط عن الأبعد، ولا حرج به على كل قادر عليه، قريبا كان أو بعيدا.

ولا يسقط الحرج ما دام باقيا على وجه الأرض جاهل بفرض من فروض دينه، وهو قادر على أن يسعى إليه بنفسه، أو غيره، فيعلمه فرضه. وهذا شغل شاغل لمن يهمه أمر دينه، يشغله عن تجزئة الاوقات في التفريعات النادرة، والتعمق في دقائق العلوم التي هي من فروض الكفايات، ولا يتقدم على هذا إلا فرض عين، أو فرض كفاية هو أهم منه».

وبتوافر عنصر الصلاح في النفس، وعنصر الإصلاح للنفس، يتحقق للإنسان اكتمال فضيلة أخلاقية قرآنية، ذات شعبتين تكمل إحداهما الاخرى، تلك الفضيلة هي ما عبرت عنه بكلمتي «الصلاح» و «الإصلاح» .

ولقد تكررت مادة «الصلاح والإصلاح» في القرآن المجيد أكثر من مائة وسبعين مرة، ونستطيع أن نلحظ من مراجعة هذه المواضع أن الترتيب الطبيعي أو الغالب فيها أن الإيمان مدخل إلى الصلاح، وان الإصلاح يكون ثمرة أو نتيجة للصلاح. ومن هنا ينبغي أن نلاحظ هذا الاقتران المتكرر الغالب بين ذكر «الإيمان» وذكر «العمل الصالح» . وقد تكرر قول القرآن الكريم «الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ» أكثر من خمسين مرة.

وليس هناك من ضرورة تلجئ إلى ايراد كل هذه المواطن، وحسبنا هنا نماذج منها، ففي سورة البقرة يقول الحق تبارك وتعالى:

«وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت