وأما أهل المقت فينادون على رؤوس الاشهاد، وتستنطق جوارحهم بفضائحهم، فيزدادون بذلك خزيا وافتضاحا، ونعوذ بالله من الخزي يوم العرض الأكبر، فالفرق بين التوبيخ والنصيحة بالاسرار والإعلان.
ويأتي حديث الصوفية عن التواصي بالخير، فنجد ذا النون المصري يقول: «لا تصحب مع الله إلا بالموافقة ولا مع الخلق إلا بالمناصحة، ولا مع النفس إلا بالمخالفة، ولا مع الشيطان إلا بالعداوة والمحاربة» .
وقال بعض الشيوخ لرويم الصوفي رحمه الله: أوصني بوصية.
فقال له: يا بني، ليس غير بذل الروح، فإن قدرت على ذلك، والا فلا تشتغل بترهات الصوفية.
وقال رجل لابي بكر البارزي: أوصني.
فقال له: احذر الفتك، وعادتك، والسكون إلى راحتك.
وأوصى ذو النون بعض أصحابه فقال له في نصيحته: يا أخي، اعلم أنه لا شرف أعلى من الإسلام، ولا كرم أعز من التقوى، ولا عقل أحرز من الورع، ولا شفيع أنجح من التوبة، ولا لباس أجل من العافية، ولا وقاية أمنع من السلامة، ولا كنز أغنى من القنوع، ولا مال أذهب للفاقة من الرضا بالقوت، ومن اقتصر على بلغة الكفاف فقد انتظم الراحة، والرغبة مفتاح التعب ومطية النصب، والحرص داع إلى التقحم في الذنوب، والشره جامع لمساوئ الذنوب، وربّ طمع كاذب وأمل خائب ورجاء يؤدي إلى الحرمان وإرباح يؤول إلى الخسران.
وهذا غيض من فيض، فما أكثر الوصايا والنصائح والتوجيهات التي تبادلها هؤلاء القوم، وفاضت بها كتبهم ومصادرهم.
ألا ما أجمل المجتمع حين تعمه روح التواصي بالخير، ويشيع فيه توجيه النصيحة المخلصة، وتقبل الوصية النافعة. انه مجتمع الإسلام والإيمان، وموطن الرضى من الرحمن.