فهرس الكتاب

الصفحة 192 من 1257

التقوى كما يقول المرحوم مصطفى صادق الرافعي في كتابه «إعجاز القرآن» هي الأصل الأول لأخلاق الإسلام الفردية والاجتماعية التي أمضاها وأعلنها، ورفع شأنها، وجعلها من العزائم المفروضة والفضائل الواجبة.

والتقوى معناها في الأصل: جعل النفس في وقاية مما تخاف، يقال: اتّقى فلان بكذا، إذا جعله وقاية لنفسه، ولذلك قيل: التقوى من الاتقاء، وهو طلب السلامة بما يحجز عن المخافة. والتقوى في اصطلاح الشرع والعقل هي حفظ النفس عما يشينها ويعرضها للملام أو العذاب، وذلك بترك أسباب السخط والعقوبة، وفعل الفرائض المنجية المؤدية إلى النعيم والثواب، وإنما يكمل ذلك ويتم بترك بعض المباحات، وإلى هذا أشار الحديث الشريف الذي يقول: «الحلال بيّن، والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن واقع الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» .

وفي هذا الحديث ما يفيد أن تمام التقوى المشار إليه بقوله: «اتق الشبهات» مرتبط بطهارة القلب ونظافته من الوساوس والهواجس، ومن سيئ المشاعر وخبيث الخواطر، ولا شك أن هذه الطهارة هي أمّ مكارم الأخلاق، وأصل فروع الفضائل.

وكلمة «التقوى» تذكّرنا - من ناحية مادتها اللغوية، وحروفها الأصلية وهي القاف والواو والياء، مع ملاحظة التقدم والتأخر فيما بينها - بثلاثة معان: الأول معنى القوة مادية كانت أم معنوية، والثاني معنى الوقاية التي تحقق الحصانة والأمن، والثالث معنى الاتقاء الذي هو التباعد والاجتناب. وقد تحدث القرآن الكريم عن هذه المعاني الثلاثة، فذكر القوة المعنوية والمادية في مثل قوله: (يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ) أي بقوة قلب، وقيل بجد واجتهاد في العمل به. وفي مثل قوله في سورة البقرة: (خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت