فهرس الكتاب

الصفحة 164 من 1257

تكرر ذكر مادة «الخشوع» في كتاب الله عز وجل أكثر من خمس عشرة مرة؛ ومعنى الخشوع في الأصل هو الانخفاض والسكون والتطامن، وكل ساكن خاضع فهو خاشع، ويقال للأرض المتهشمة النبات التي يبست ولم تمطر: إنها خاشعة، وعلى هذا جاء قول القرآن الكريم: (وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ) .

ويقال: خشع الرجل يخشع خشوعا، إذا رمى ببصره إلى الأرض، واختشع: إذا طأطأ رأسه وتواضع، وخشوع الصوت خفضه وغضه، وقيل إن الخشوع قريب من الخضوع، إلا أن الخضوع يكون في البدن، والخشوع يكون في البدن والصوت والبصر، والخشوع أيضا هو الضراعة، ولكن أكثر استعمال الخشوع فيما يوجد على الجوارح، وأكثر استعمال الضراعة فيما يوجد في القلب، ولذلك قيل فيما يروى: «إذا ضرع القلب خشعت الجوارح» . وقيل إن التخشع هو تكلف الخشوع.

هكذا تحدث أهل اللغة عن «الخشوع» . وأما العلماء والفقهاء وأهل الأخلاق فقد قالوا إن الخشوع هو هيئة في النفس يظهر منها على الجوارح سكون وتواضع، ولذلك قال قتادة: الخشوع في القلب، وقيل: إن الخشوع هو الخوف وغض البصر في الصلاة، كما قيل إنه انقياد المؤمن للحق، فإذا ذكّره مذكّر بالحق تقبله، وانقاد إليه، وخضع له؛ ولعل هذا قريب في معناه مما أشار إليه الجنيد حين قال: «الخشوع تذلل القلوب لعلام الغيوب» .

ومن هذا نفهم أن موطن الخشوع الأساسي هو القلب، وتظهر آثاره عادة

على الأعضاء، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم عمن عبث بلحيته في صلاته: «لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه» . ولقد رأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلا يطأطئ رقبته في الصلاة تخشعا، فقال له: «يا صاحب الرقبة، ارفع رقبتك، ليس الخشوع في الرقاب» . وزاد حذيفة بن اليمان هذه التفرقة بين الخشوع والتخشع إيضاحا حين قال: «إياكم وخشوع النفاق، وهو أن ترى الجسد خاشعا، والقلب ليس بخاشع» .

وكأن معنى هذا أنه لا ارتباط بين الخشوع والتماوت في الحركة، فقد يكون الإنسان مقبلا على عمله، جادّا فيه، سريع الخطوة، بادي النشاط، ومع ذلك يظل قلبه خاشعا خاضعا، منقادا لله، متقيدا بالحق، ولقد رأت الصديقة بنت الصديق عائشة بنت أبي بكر رضوان الله عليهما شبابا يتماوتون في مشيتهم، ويقال عنهم إنهم نسّاك، فقالت: «كان عمر بن الخطاب إذا مشى أسرع، وإذا قال أسمع، وإذا ضرب أوجع، وإذا أطعم أشبع، وكان هو الناسك حقا» . ويؤكد القرطبي هذا حين يورد في تفسيره هذا التعبير عن عمر: «كان عمر ناسكا صدقا، وخاشعا حقا» .

ويروي لنا سفيان الثوري عن نفسه ما يلي: «سألت الأعمش عن الخشوع، فقال: يا ثوري، أنت تريد أن تكون إماما للناس ولا تعرف الخشوع؟ سألت إبراهيم النخعي عن الخشوع فقال لي: يا أعيمش، تريد أن تكون إماما للناس ولا تعرف الخشوع؟ ليس الخشوع بأكل الخشن ولبس الخشن وتطأطؤ الرأس، لكن الخشوع أن ترى الشريف والدنيء في الحق سواء، وتخشع لله في كل فرض افترضه عليك» .

وبهذا ندرك أن الخاشع الصادق لا بد أن يكون صاحب إيمان عميق ويقين راسخ، غير متأثر بالأهواء أو الرغبات، بل الحقّ طلبته، والله الحق غايته، فلا عجب بعد هذا إذا جعل القرآن الكريم صفة الخشوع في منزلة التقدير والتوقير، فإنه بلا ريب من مكارم الأخلاق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت