فهرس الكتاب

الصفحة 743 من 1257

فالله تعالى قد أنجاهم لأنهم عاشوا بين أهليهم في إشفاق من هذا اليوم، وخوف من لقاء ربهم، مع أنهم كانوا بين أهليهم وأحبابهم.

ان فضيلة «الإشفاق» القرآنية تعلم صاحبها اليقظة والحذر، والتنبه للواجب مع الحرص على أدائه، والابتعاد عن السوء قدر الإمكان. وتعلمه أن يبذل أقصى ما في وسعه من طاعة وقربة، ثم لا يغتر ولا ينخدع، بل يظل على الدوام في خشية من التقصير، وهيبة من الغفلة، وخوف من النسيان، فمهما بذل أو قدم، يظل خاضعا لجلال ربه، خاشعا من هيبته، سائلا منه العفو والمغفرة والرضوان.

تقول اللغة ان الظن هو ما يحصل عن أمارة، وهو بهذا شك، ولكنه قد يلحقه تدبر فيصير ضربا من اليقين، ولكنه دون يقين المعاينة، وقد تضعف الامارة فيكون الظن توهما، وفي هذه الحالة يكون الظن مذموما، وإذا قويت أمارته وصار ضربا من اليقين، فإن الظن يكون محمودا حينذاك.

والظن في كثير من الأمور مذموم كما يقول الاصفهاني، وكل ما لا يوثق به فهو ظنين وظنون والظن الحسن هو تغليب جانب الخير على جانب الشر، وتجنب المسارعة بالاتهام دون برهان.

وقد قال العلماء ان حسن الظن بالله هو أن تظن أنه سيعفو عنك، ويرحمك بواسع رحمته وأنت على طاعته، وهذا لا يتعارض مع حذرك إذا كنت عاصيا. وحسن الظن بالناس هو أن تظن أنهم على خير، وعلى هدى من ربهم فيما بينهم وبينه، بل ربما كانوا عند الله أحسن منك، وهذا في المسلمين المستورين، وأما أهل العصيان والفسوق والأهواء الفاسدة والمجاهرين بالمعصية فلا يتأتى فيهم حسن الظن.

والقرآن الكريم قد عدّ حسن الظن في مواطنه خلقا من أخلاقه وفضيلة من فضائل المجتمع المؤمن، فتحدث عن الظن الحسن بطريق التصريح حين قال من سورة النور وهو يتحدث عن حديث الافك:

«لَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا» (1) .

وبطريق النهي عن الظن السيء الخبيث في أكثر من آية كما سنرى:

ها هو ذا القرآن المجيد يقص علينا قصة الافك فيقول فيما يقول:

«إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ، بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ، وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ، لَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقالُوا: هذا إِفْكٌ مُبِينٌ» (2) .

ان هذه الكلمات القدسية تحكي ما حدث من افك وافتراء على الصديقة بنت الصديق عائشة بنت أبي بكر رضوان الله عليهما، وكان ذلك الافك ناشئا من سوء الظن المتعاون مع النفاق الوضيع. وتشير الآيات إلى أن حسن الظن كان أولى وأجدر بالمسلمين، وكان الواجب على كل من سمع هذا الافتراء القذر ان يرده قائلا: «هذا إِفْكٌ مُبِينٌ» ، وذلك كما فعل أبو أيوب خالد بن زيد الانصاري وزوجته رضي الله عنهما، فقد روت السيرة أن أبا أيوب قالت له زوجته: يا أبا أيوب، أما تسمع ما يقول الناس في عائشة رضوان الله عليها؟.

قال: نعم، وذلك الكذب. ثم سألها: أكنت فاعلة ذلك يا أم أيوب؟.

(1) سورة النور، الآية 12.

(2) سورة النور، الآيتان 11 و 12.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت