قالت: لا والله ما كنت أفعله.
فقال لها: فعائشة والله خير منك.
ويروى أيضا أن أبا أيوب قال لها عن حديث الافك: ألا ترين ما يقال؟.
فقالت له: لو كنت بدل صفوان بن المعطل - وهو الصحابي الجليل الذي اتهموا به عائشة - أكنت تظن بحرمة رسول الله صلى الله عليه وآله سوءا؟.
قال: لا.
فقالت: ولو كنت أنا بدل عائشة رضي الله عنها ما خنت رسول الله صلى الله عليه وآله، فعائشة خير مني، وصفوان خير منك.
يا لروعة الظن الحسن الجميل في موطنه الاصيل الجليل.
ويقول القرآن فيما يقول وهو يتحدث عن أحداث غزوة أحد في سورة آل عمران:
«ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاسًا يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ، وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ، يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ، قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ، يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا، قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ
الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ، وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ، وَاللهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ» (1) .
فهنا يقارن الكتاب العزيز بين طائفة المؤمنين أهل الإخلاص والظن الحسن بالله، الذين وهبهم الله سبب الأمن والطمأنينة، وطائفة أخرى سلط الله عليهم الازعاج والخوف، وهم المشركون أو المنافقون الذين شغلتهم أنفسهم، فهم يسيئون الظن، فيظنون بالله ورسوله غير الحق ظنّ الجاهلية، ويتوهمون أن الله لن ينصر رسوله، ولذلك يتساءلون منكرين: هل لنا من النصر نصيب؟ وقد قالوا ذلك على سبيل السخرية والتخذيل للمسلمين، وكان من قائلي هذا عبد الله بن أبي بن سلول وأصحابه، ومعتّب بن قشير وأصحابه، فأمر الله تعالى نبيه أن يقول لهم: ان الأمر كله بيد الله، ينصر من يشاء، ويخذل من يشاء، ولا خاذل لمن نصره، ولا ناصر لمن خذله، وربما عجل النصر، وربما أخره لحكمة يعلمها، وهو لا يخلف وعده، ومن أوفى بعهده من الله؟.
وإذا كان القرآن يفهمنا أن حسن الظن صفة المؤمنين، فإنه يخبرنا بأن الظن السيء صفة أعداء الله رب العالمين، ولذلك يخاطب الله جل جلاله أعداءه فيقول لهم فيما يقول في سورة فصلت:
«وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ، وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ، وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ
(1) سورة آل عمران، الآية 154.