التنافس - كما قال الطبري - مأخوذ من الشيء النفيس، والشيء النفيس هو الثمين الذي تحرص عليه نفوس الناس وتشتهيه وتطلبه. وتنافسا في الأمر تغالبا. ونافس الرجل صاحبه في الأمر أي سابقه، وأنفس الاعمار أطولها، وتنافس الرجلان في الخير تغالبا في احرازه، وتسابقا يريد كل منهما أن يستأثر به، أو يفوق صاحبه فيه، ومأخذ ذلك من النفاسة، وهي رفعة الشيء وعظم مكانته، فإن التغالب يكون في الشيء النفيس، أو أن كلا منهما يريد أن يكون أنفس من الآخر بما يحرزه من الفضل، أو يتفوق فيه.
والمنافسة بالمعنى الأخلاقي هي مجاهدة النفس للتشبه بالافاضل، واللحوق بهم من غير إدخال ضرر على آخر، والتنافس بهذا المعنى خلق من أخلاق القرآن الكريم، وفضيلة من فضائل الإسلام العظيم، وجزء من هدي النبي عليه الصلاة والتسليم.
وقد ورد ذكر هذه الفضيلة القرآنية في القرآن المجيد، حيث يقول الله تبارك وتعالى في سورة المطففين:
«وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ» (1) .
ويقول الرازي في ذلك ان المعنى هو: فليرغب الراغبون في مثل ذلك، بالمبادرة إلى طاعة الله، لأن التنافس يجب أن يكون في مثل ذلك النعيم العظيم الدائم، لا في النعيم الدنيوي الذي هو مشوب بالكدر، سريع الزوال والفناء. ويقول مفسر آخر: فليرغب الراغبون وليتبادر المتبادرون بالمبادرة إلى طاعة الله تبارك وتعالى، لأن كلا منهم يريد أن يتقدم غيره في طريق الخير والبر، بما يظهر من نفسه من الجد والاجتهاد، والاعتمال في الطاعة والعبودية لمولاه جل جلاله. ويقول الشيخ محمد عبده في تفسير الآية: في ذلك النعيم وما تلاه يرغب الراغبون، ويسبق بعضهم بعضا إليه بالأعمال الصالحة التي تقرب منه.
والنص القرآني في هذا الموطن يتحدث عن الابرار أصحاب النعيم، الذين يجلسون على الارائك ينظرون، تعرف في وجوههم نضرة النعيم، ويقول: «يسقون من رحيق مختوم. ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون» أي يسقى هؤلاء الابرار من خمر صرف لا غش فيها مزاجها وخلطها مسك، وطعمها وريحها مسك، فهؤلاء الابرار الذين يتنافسون في الخيرات، ويتعاونون في المبرات، وكل منهم يبذل جهده وطاقته ليكون سباقا إلى المكرمات، يسقون من خمر الجنة الصافي المختوم الذي لا غش فيه، وعاقبة ما يشربونه مسك طيب وفي مثل هذا المجال الكريم فليتفاخر المتفاخرون، وليستبق إلى مثله المتسابقون وذلك كقوله تعالى: «لمثل هذا فليعمل العاملون» ، ويعبر القشيري بقوله: فليتنافس المتنافسون وتنافسهم فيه يكون بالمبادرة إلى الأعمال الصالحة، والمسابقة إلى القربات، وتعليق القلب الطهور بالله تبارك وتعالى، والتنزه من الأخلاق الدنية والصفات
(1) سورة المطففين، الآية 26.