فهرس الكتاب

الصفحة 1181 من 1257

الذميمة، وجولان همة المؤمن بالتفكير في ملكوت السماوات والأرض، ودوام المناجاة لرحمن الدنيا والآخرة. ولنلاحظ أن السورة الكريمة ذكرت صفات هؤلاء الابرار وفي قمتها التنافس في الخير، بعد أن ذكرت أولئك المطففين الذين يأكلون أموال الناس بالباطل، وبعد أن ذكرت الفجار الذين يكذبون بيوم الدين، فحق عليهم العذاب الأليم، وقد جاءت عبارة مبسوطة في تفسير «ظلال القرآن» وفي خلالها تمجيد بفضيلة التنافس في الخير والمسابقة في ميادين البر، فهو يقول: «ان أولئك المطففين، الذين يأكلون أموال الناس بالباطل، ولا يحسبون حساب اليوم الآخر، ويكذبون بيوم الحساب والجزاء، ويرين على قلوبهم الإثم والمعصية. ان هؤلاء إنما يتنافسون في مال أو متاع من متاع الأرض الزهيد. يريد كل منهم أن يسبق إليه، وأن يحصل على أكبر نصيب منه. ومن ثم يظلم ويفجر ويأثم ويرتكب ما يرتكب في سبيل متاع من متاع الأرض زائل.

وما في هذا العرض القريب الزهيد ينبغي التنافس. إنما يكون التنافس في ذلك النعيم وفي ذلك التكريم: «وفي ذلك فليتنافس المتنافسون» فهو مطلب يستحق المنافسة، وهو أفق يستحق السباق، وهو غاية تستحق الغلاب. والذين يتنافسون على شيء من أشياء الأرض مهما كبر وجل وارتفع وعظم، إنما يتنافسون في حقير قليل فإن قريب. والدنيا لا تزن عند الله جناح بعوضة. ولكن الآخرة ثقيلة في ميزانه. فهي اذن حقيقة تستحق المنافسة فيها والمسابقة ومن عجب أن التنافس في أمر الآخرة يرتفع بأرواح المتنافسين جميعا. بينما التنافس في أمر الدنيا ينحط بها جميعا. والسعي لنعيم الآخرة يصلح الأرض ويعمرها ويطهرها للجميع. والسعي لعرض الدنيا يدع الأرض مستنقعا وبيئا تأكل فيه الديدان بعضها البعض. أو تنهش فيه الهوام والحشرات جلود الابرار الطيبين. والتنافس في نعيم الآخرة لا يدع الأرض خرابا بلقعا كما قد يتصور بعض المنحرفين.

انما يجعل الإسلام الدنيا مزرعة الآخرة. ويجعل القيام بخلافة الأرض بالعمار مع الصلاح والتقوى وظيفة المؤمن الحق. على أن يتوجه بهذه الخلافة إلى الله، ويجعل منها عبادة له تحقق غاية وجوده كما قررها الله - سبحانه - وهو يقول:

«وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ» (1) .

وان قوله:

«وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ» (2) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت