ومن وراء سيدنا رسول الله جرت عادة الأخيار من صحابته على أن يبذلوا النصيحة المخلصة والوصية الخيرة، كلما وجدوا لها موطنا، وهذا مثلا هو عمر الفاروق يوصي الخليفة من بعده فيقول فيما يقول: «أوصي الخليفة من بعدي بالمهاجرين الأولين: أن يعرف لهم حقهم، ويحفظ لهم حرمتهم، وأوصيه بالانصار خيرا، الذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم، أن يقبل من محسنهم، وأن يعفى عن مسيئهم، وأوصيه بأهل الامصار خيرا، فانهم ردء الإسلام، وجباة المال، وغيظ العدو، وأن لا يؤخذ منهم إلا فضلهم عن رضاهم، وأوصيه بالأعراب خيرا، فانهم أصل العرب، ومادة الإسلام، أن يؤخذ من حواشي أموالهم، ويرد على فقرائهم، وأوصيه بذمة الله وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم، أن يوفى لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم، ولا يكلفوا إلا طاقتهم ... » .
ويتحدث أبو حامد الغزالي عن حقوق الاخوة فيقول: «ومن ذلك التعليم والنصيحة، فليست حاجة أخيك إلى العلم بأقل من حاجته إلى المال، فإن كنت غنيا بالعلم فعليك مواساته من فضلك، وارشاده إلى كل ما ينفعه
في الدين والدنيا، فإن علمته وأرشدته، ولم يعمل بمقتضى العلم، فعليك النصيحة، وذلك بأن تذكر آفات ذلك الفعل، وفوائد تركه، وتخوفه بما يكرهه في الدنيا والآخرة، لينزجر عنه، وتنبهه على عيوبه، وتقبّح القبيح في عينه، وتحسّن الحسن.
ولكن ينبغي أن يكون ذلك في سر لا يطلع عليه أحد، فما كان على الملأ فهو توبيخ وفضيحة، وما كان في السر فهو شفقة ونصيحة، إذ قال صلى الله عليه وسلم: «المؤمن مرآة المؤمن» أي يرى منه ما لا يرى من نفسه، فيستفيد المرء بأخيه معرفة عيوب نفسه، ولو انفرد لم يستفد، كما يستفيد بالمرآة الوقوف على عيوب صورته الظاهرة.
وقال الشافعي رضي الله عنه: من وعظ أخاه سرا فقد نصحه وزانه، ومن وعظه علانية فقد فضحه وشانه. وقيل لمسعر: أتحب من يخبرك بعيوبك؟.
فقال: ان نصحني فيما بيني وبينه فنعم، وان قرعني بين الملأ فلا.
وقد صدق، فإن النصح على الملأ فضيحة، والله تعالى يعاتب المؤمن يوم القيامة تحت كنفه، في ظل ستره، فيوقفه على ذنوبه سرا، وقد يدفع كتاب عمله مختوما إلى الملائكة الذين يحفون به إلى الجنة، فإذا قارب باب الجنة أعطوه الكتاب مختوما ليقرأه.