ولقد كان سيدنا رسول الله خير من تحقق بالتسليم لربه، ولذلك كان يقول عند النوم - كما يروي البخاري ـ: «اللهم أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك» أي استسلمت وانقدت، وجعلت نفسي خاضعة لك، تابعة لحكمك، لا قدرة لي على تدبيرها، ولا على جلب ما ينفعها إليها، ولا على دفع ما يضرها عنها. وكان صلوات الله وسلامه عليه يدعو ربه فيقول: «اللهم أنت ربي ومليكي والهي، لا إله إلا أنت، إليك وجهت وجهي» . وكان يردد في تهجده بالليل، «اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت» .
ولقد عرف البصراء من أتباع محمد عليه الصلاة والسلام مكانه التسليم لله، فنوهوا به ووجهوا إليه، فهذا هو الزهري مثلا يقول: «من الله عز وجل الرسالة، وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم البلاغ، وعلينا التسليم» .
ويرينا الحارث المحاسبي الصورة الرائعة للتسليم فيقول: «التسليم هو الثبات عند نزول البلاء، من غير تغير منه في الظاهر والباطن» . ومن هنا نفهم أن التسليم ليس استسلاما أو خنوعا، وليس تواكلا وتبطلا، وليس تركا للأسباب أو العمل، وإنما هو اتجاه إلى الله، واعتصام بحماه، واستعانة بهداه، واستنفاد الوسع والطاقة في السعي والحركة وتحقيق ما يرضي الله.
وممن تكلموا في «التسليم» بشر بن الحارث الحافي، وقد رووا عنه أنه كان في مجلسه يتحدث عن التسليم والرضى. فقال له بعض من
حضر: يا أبا نصر، انقبضت عن أخذ البرّ من يد الخلق لإقامة الجاه، فإن كنت متحققا بالزهد، منصرفا عن الدنيا، فخذ من أيديهم، ليمتحي جاهك عندهم، وأخرج ما يعطونك إلى الفقراء، وكن بعقد التوكل، تأخذ قوتك من الغيب.
فقال بشر: اسمع أيها الرجل الجواب: الفقراء ثلاثة: فقير لا يسأل، وان أعطي لا يأخذ، فذاك من الروحانيين، إذا سأل الله أعطاه، وان أقسم على الله أبرّ قسمه.
وفقير لا يسأل، وان أعطي قبل، فذاك من أوسط القوم، عقده التوكل والسكون إلى الله تعالى، وهو من توضع له الموائد في حظيرة القدس.
وفقير اعتقد الصبر ومدافعة الوقت، فإذا طرقته الحاجة خرج إلى عبيد الله، وقلبه إلى الله بالسؤال فكفارة مسألته صدقه في السؤال.
فقال السائل لبشر: رضيت، رضي الله عنك.
الله نسأل أن يجعلنا من أهل التسليم والسلام والإسلام.