فهرس الكتاب

الصفحة 428 من 1257

النفع والضر، فشأن المؤمن المتوكل في دائرة الأسباب، أن يطلب كل شيء عن طريق سببه، خضوعا لسنن الله تعالى في نظام خلقه، وهو بذلك يطلبها من حيث أمره الله أن يطلبها أمرا تكوينيا قدريا، وتشريعا تكليفيا، فإذا جهل الأسباب، أو عجز عنها، وكل أمره فيها إلى ربه تبارك وتعالى، داعيا إياه أن يعلمه ما جهل، بما سنه من وسائل العلم، ومنها الإلهام في بعض الأحيان، وأن يسخر له ما عجز عنه من جماد أو حيوان أو إنسان.

ومن هنا نستطيع أن ندرك أن التوكل في جوهره عمل من أعمال القلب، وليس قولا باللسان أو عملا بالجوارح فحسب، فبداية التوكل هي الإيمان، وعماده هو اليقين، ولذلك جعل القرآن الكريم فضيلة التوكل صفة أساسية للمؤمنين، فقال في سورة الأنفال: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ، وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيمانًا، وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) . وقال في سورة النحل عن الشيطان: (إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) . وقال في سورة العنكبوت: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ، الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) . وقال في سورة الشورى: (فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا، وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) .

ومن جلال المكانة لفضيلة التوكل أن نرى الحق جل جلاله يأمر بها خاتم رسله صلّى الله عليه وعليهم وسلم، ويكرر هذا الأمر ويؤكده في مواضع كثيرة من كتابه المجيد، فيقول له في سورة النساء: (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلًا) . ويقول في سورة هود: (وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت