فهرس الكتاب

الصفحة 867 من 1257

غنى النفس ما يكفيك من سد حاجة ... فإن زاد شيئا عاد ذاك الغنى فقرا

ويتجه الطيبي متجها آخر في فهم الغنى هنا، فيرى أنه يمكن أن يراد بغنى النفس حصولات الكمالات العلمية والعملية، والى ذلك يشير القائل:

ومن ينفق الساعات في جمع ماله ... مخافة فقر، فالذي فعل الفقر

أي ينبغي أن ينفق أوقاته في الغنى الحقيقي، وهو تحصيل الكمالات، لا في جمع المال، فإنه لا يزداد بذلك إلا فقرا.

ولكن الاظهر أن غنى النفس يحصل بغنى القلب، بأن يفتقر إلى ربه في جميع أموره، كما يرجح ابن حجر، فيتحقق أنه المعطي المانع، فيرضى بقضائه، ويشكره على نعمائه، ويفزع إليه في كشف ضرائه، فينشأ عن افتقار القلب لربه غنى نفسه عن غير ربه تبارك وتعالى.

ثم نطوف بساحة الصوفية الذين يشغلون أنفسهم بالارواح والقلوب، فنجد لهم سهمهم في تصور الغنى بالله نجد أبا تراب النخشبي يقول: «حقيقة الغنى أن تستغني عمن هو مثلك، وحقيقة الفقر أن تفتقر إلى من هو مثلك» .

ويقبل يحيى بن معاذ ليقول شعرا في تحديد صفات الغنى بالله، الغنى عمن سواه، فيقول - فيما يقول عنه - هذه الابيات:

ومن الدلائل زهده فيما يرى ... من دار ذل والنعيم الزائل

ومن الدلائل أن تراه مسلما ... كل الأمور إلى المليك العادل

ومن الدلائل أن تراه راضيا ... بمليكه في كل حكم نازل

ويحدثنا بعضهم عن خصال المقبلين على الله فيقول: «ثلاث خصال

من صفة الأولياء: الثقة بالله في كل شيء، والغنى بالله عن كل شيء، والرجوع إليه في كل شيء».

وهذا شاعر يسير نحو الغنى بالله، فيناجي ربه بقوله:

أنت الغني الذي مدت خزائنه ... لطالبي الرزق، لم تنقص ولم تزد

وكل من هو محتاج يمد بمف ... تاح الدعاء لباب الواحد الصمد

نعطي - بغير حساب - كل مغترف ... بالجود، متكل بالحق، معتمد

وحين عن غيره تغنيه تجعله ... لجود ذاتك محتاجا إلى الابد

يا رحمن الدنيا والآخرة، اكفنا بالغنى بك، واصرفنا عن الاحتياج لغيرك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت