فهرس الكتاب

الصفحة 117 من 1257

يقدّر صنيع الناس الجميل معه، ولا يشكرهم عليه يكون مقصرا في حق الله عز وجل، وقد جاء في كتاب «النهاية» أن الله تعالى لا يقبل شكر الإنسان على إحسانه إليه إذا كان العبد لا يشكر إحسان الناس، ويكفر معروفهم، لاتصال أحد الأمرين بالآخر. وقيل: إن معنى الحديث هو ان من كان من طبعه وعادته كفران نعمة الناس وترك الشكر لهم كان من عادته كفر نعمة الله وترك الشكر له. وقيل: معناه أن من لا يشكر الناس كان كمن لا يشكر الله وإن شكره، كما يقول: لا يحبني من لا يحبك، أي أن محبتك مقرونة بمحبتي، فمن أحبني يحبك، ومن لم يحبك فكأنه لم يحبني. وفي رواية: «من لا يشكر الناس» .

وقد أرشد الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى طريق الشكر للناس بقوله: «من أعطي عطاء فوجد فليجز به، ومن لم يجد فليثن، فإن من أثنى فقد شكر، ومن كتم فقد كفر» . ويقول - صلى الله عليه وسلم ـ: «من صنع إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئون به فادعوا له، حتى تروا أنكم قد كافأتموه» .

وعن أنس - رضي الله عنه - قال: لما قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة أتاه المهاجرون فقالوا: يا رسول الله، ما رأينا قوما أبذل من كثير، ولا أحسن مواساة من قليل، من قوم نزلنا بين أظهرهم - يعنون الأنصار - لقد كفونا المؤونة، وأشركونا في المهنأ - أي محل الهناء والسرور - حتى لقد خفنا أن يذهبوا بالأجر كله، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم ـ: «لا، ما دعوتم لهم وأثنيتم عليهم» .

وكذلك جاء في الحديث: «من صنع إليه معروف فقال لفاعله: جزاك الله خيرا، فقد أبلغ الثناء» . وهذا بالنسبة للعاجز غير القادر على الشكر المادي، وجملة: «جزاك الله خيرا» فيها ثناء بليغ، لأن فيها معنى الاعتراف بالعجز عن الشكر، وقائلها قد دعا الله ورجاه بأن يثيب صاحب المعروف

نيابة عنه، والله واسع الفضل والعطاء، فلو أخلص الإنسان في الدعاء لكان شكرا عظيما.

هذا وللصوفية أقوال كثيرة في تصوير الشكر، فقال بعضهم: «الشكر هو مشاهدة المنة وحفظ الحرمة» . وقال ثان: «الشكر معرفة العجز عن الشكر» . وقال ثالث: «الشكر إضافة النعم إلى موليها بنعت الاستكانة له» . وقال رابع: «الشكر أن لا ترى نفسك أهلا للنعمة» . وقال خامس: «الشكر استفراغ الطاقة» . وقال سادس: «الشكر التلذذ بثنائه، على ما لم تستوجب من عطائه» .

اللهم اجعلنا أهلا لنعمتك، ووفقنا لواجب ذكرك وشكرك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت