فهرس الكتاب

الصفحة 209 من 1257

وقد وردت مادة «التدبر» في آيات من القرآن المجيد، ففي سورة النساء: (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ، وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا) . أي: ألا يتأملون معانيه ويتبصرون ما فيه؟ أفلا يتدبرون كتاب الله تعالى، فيعلموا انه كلام الله، لاتّساق معانيه، وائتلاف أحكامه، وتأييد بعضه بعضا بالتصديق، وشهادة بعضه لبعض بالتحقيق، لأن القرآن لا يكذّب بعضه بعضا ولا ينقض بعضه بعضا، وما يجهله بعض الناس من أمره هو من قلة علمهم وتقصير عقولهم.

ويتعرض السيد رشيد رضا لتفسير هذه الآية الكريمة بما يكشف عن مكانة فضيلة التدبر بين الفضائل الإسلامية القرآنية فيقول: «والمعنى: جهل هؤلاء حقيقة الرسالة وكنه هذه الهداية. أفلا يتدبرون القرآن الذي يدل على حقيقتها، وعاقبة المؤمنين بها، والجاحدين لها، فيعرفوا انه الحق من ربهم، وان ما أنذر به الكافرين والمنافقين واقع بهم، لأنه كما صدق فيما أخبر به عما يبيّتون في أنفسهم، وما يثنون عليه صدورهم، ويطوون عليه سرائرهم، يصدق كذلك فيما يخبر به من سوء مصيرهم، وكون العاقبة للمتقين الصادقين، والخزي والسوء على الكافرين والمنافقين، بل لو تدبروه حق التدبر لعلموا أنه يهدي إلى الحق، ويأمر بالخير والرشد، وأن عاقبة ذلك لا تكون إلا بالفوز والفلاح، والصلاح والإصلاح. فإذا كانوا لاستحواذ الباطل والغيّ عليهم - لا يدركون كنه هداية هذا القرآن في ذاتها، أفلم يأن لهم أن يدركوا من خصائصه ومزاياه، أنه لا يمكن أن يكون إلا من عند الله؟. ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا

كثيرا. اي لو كان من عند محمد بن عبد الله القرشي، لا من عند الله الذي أرسله به، لوجدوا فيه اختلافا كثيرا، لعدم استطاعته واستطاعة أي مخلوق أن يأتي بمثل هذا القرآن في تصوير الحق بصورته كما هي، لا يختلف ولا يتفاوت في شيء منها، لا في حكايته عن الماضي، الذي لم يشاهده محمد صلى الله عليه وسلم، ولم يقف على تاريخه، ولا في إخباره عن الآتي في مسائل كثيرة وقعت كما أنبأ بها، ولا في بيانه لخفايا الحاضر، حتى حديث الأنفس ومخبآت الضمائر».

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت