وجاء في سورة محمد: (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها) . أي: أفلا يلاحظون معاني القرآن ودقائقه ورقائقه، وما فيه من المواعظ والزواجر، حتى لا يقعوا فيما وقعوا فيه من الموبقات، أم ان قلوبهم قد قست أو استغلقت، فهي لا يصل إليها الذكر، ولا ينكشف لها الأمر، فكأنها مقفلة، لا تقبل التدبر ولا الاعتبار؟. ويصوّر ابن جرير الطبري معنى الآية بما خلاصته: أفلا يتدبر هؤلاء الضالون مواعظ الله تعالى التي يعظهم بها في آيات القرآن الذي أنزله على نبيه صلى الله عليه وسلم، ويتفكرون في حججه التي بيّنها لهم في تنزيله، فيعلموا خطأ ما هم عليه مقيمون، أم أقفل الله على قلوبهم، فلا يعقلون ما أنزل الله في كتابه من المواعظ والعبر، إنهم لو فعلوا لوجدوا في القرآن الكريم زاجرا عن معصية الله، وداعيا إلى طاعته.
وهذا معناه أن التدبر إذا صار للإنسان خلقا يتحلى به، وفضيلة يتزين بجمالها، فإن هذا التدبر يعصم صاحبه من السوء، ويقرنه بالخير؛ وهذا التدبر إنما يثيره في الإنسان قلب حي يقظ، وعقل متفتح مستجيب، وإحساس دقيق مرهف، وبهذا الاستعداد يتمكن الإنسان أن يحسن التدبر الدنيوي والتدبر الديني، وهما اللذان يشير إليهما خالد بن معدان في قوله: «ما من آدمي إلا وله أربع أعين: عينان في رأسه لدنياه، وما يصلحه من معيشته، وعينان في قلبه لدينه، وما وعد الله من الغيب، فإذا أراد الله بعبد خيرا أبصرت عيناه اللتان في قلبه، وإذا أراد الله به غير ذلك طمس عليهما» .
ويروى عن خالد بن معدان ايضا عبارة اخرى قريبة من العبارة السابقة مع زيادة، يقول فيها: «ما من الناس احد إلا وله اربع أعين، عينان في وجهه لمعيشته، وعينان في قلبه، وما من أحد إلا وله شيطان متبطن فقار ظهره، عاطف عنقه على عنقه، فاغر فاه إلى ثمرة قلبه، فإذا أراد الله بعبد خيرا أبصرت عيناه اللتان في قلبه ما وعد الله من الغيب، فعمل به وهما غيب فعمل بالغيب، وإذا أراد الله بعبد شرا تركه» .