للناس عبدا، بل يتخذه لنفسه عبدا فلا يجعل له فيه شركاء متشاكسين، بل يفرده لنفسه، ويضن به على غيره.
وغيرة العبد لربه نوعان: غيرة من نفسه، وهي أن لا يجعل شيئا من أعماله وأقواله وأحواله وأوقاته وأنفاسه لغير ربه تبارك وتعالى، وغيرة العبد من غيره، وهي أن يغضب الإنسان ويغار من غيره إذا رأى محارم الله جل جلاله ينتهكها منتهكون، أو يتطاول عليها متطاولون، أو رأى حقوق الله جل جلاله يتهاون بها متهاونون ...
يقول ابن القيم: «وغيرة العبد من نفسه أهم من غيرته من غيره. فانك إذا غرت من نفسك صحت لك غيرتك لله من غيرك، وإذا غرت له من غيرك، ولم تغر من نفسك، فالغيرة مدخولة معلولة ولا بد، فتأملها وحقق النظر فيها.
فليتأمل السالك اللبيب هذه الكلمات في هذا المقام، الذي زلت فيه أقدام كثير من السالكين والله الهادي والموفق المثبت».
وإذا انتقلنا إلى روضة السنة النبوية المطهرة وجدنا الحديث الصحيح المروي عن عبد الله بن مسعود، وفيه يقول رسول الله عليه الصلاة والسّلام: «ما أحد أغير من الله، ومن غيرته حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وما أحد أحب إليه المدح من الله، ومن أجل ذلك أثنى على نفسه، وما أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين» .
وحسب الغيرة شرفا وقدرا أن يخبرنا هذا الحديث انها خلق من أخلاق الله عز شأنه، والحديث يشير في صدره إلى قول الله تبارك وتعالى في سورة الأعراف:
«قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ، وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ» (1) .
وقد تكرر ذكر الغيرة في السنة المطهرة، فجاء في الحديث المروي عن أبي هريرة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ان الله يغار، وان المؤمن يغار، وغيرة الله أن يأتي العبد ما حرّم عليه» .
وجاء في الحديث أيضا: «اني لغيور، وما من امرئ لا يغار إلا منكوس القلب» أي ضعيف مغلوب القلب.
ومن أعلام الصحابة المشهورين بالغيرة أبو ثابت سعد بن عبادة بن دليم الانصاري الساعدي، شهد بدرا، وهو صاحب راية الانصار في المشاهد كلها، وكان سيدا جوادا، صاحب رياسة وسيادة، وكان محبا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، معظما لشأنه، فقد روى ابنه قيس بن سعد قال: زارنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في منزلنا، فقال: السّلام عليكم ورحمة الله. فرد سعد ردا خفيا. فقلت: ألا تأذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟. قال: دعه يكثر علينا من السّلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: السّلام.
ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم واتبعه سعد فقال: يا رسول الله إني كنت اسمع تسليمك، وأرد عليك ردا خفيفا لتكثر علينا من السّلام. فانصرف معه رسول الله، فأمر له سعد بماء فاغتسل، ثم ناوله سعد ملحفة مصبوغة بزعفران فاشتمل بها، ثم رفع رسول الله يديه وهو يقول: اللهم اجعل صلواتك ورحمتك على آل سعد بن عبادة.
(1) سورة الأعراف، الآية 33.