فهرس الكتاب

الصفحة 291 من 1257

كظم فلان غيظه إذا تجرعه، فحفظ نفسه من ان تمضي ما هي قادرة على امضائه باستمكانها ممن غاظها، وانتصارها ممن ظلمها.

وأصل ذلك من كظم القربة، يقال منه: كظمت القربة إذا ملأتها ماء. وفلان كظيم ومكظوم إذا كان ممتلئا غما وحزنا، ومنه قول الله عز وجل: (وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ) يعني ممتلئ من الحزن، ومنه قيل لمجاري المياه: الكظائم، لامتلائها بالماء، ومنه قيل: أخذت بكظمه، يعني بمجاري نفسه، والغيظ مصدر من قول القائل: غاظني فلان فهو يغيظني غيظا، وذلك إذا أحفظه وأغضبه. أه.

وكظم الغيظ يحتاج إلى إرادة صلبة، وعزيمة قوية، وشخصية تتحكم في عواطفها ومشاعرها وانفعالاتها، فلا يستبد بها الغضب، ولا يسيطر عليها الهوى الجامح، فيدفعها إلى الانتقام والتشفي، أو إلى ارتكاب ما لا يحسن بالرجل الحكيم الوقور.

ولذلك قال سيد الخلق محمد صلوات الله وسلامه عليه: «ليس الشديد بالصّرعة: إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» . وفي رواية انه قال: ما تعدون الصرعة فيكم؟. قالوا: الذي لا يصرعه الرجال. قال: ليس بذلك، ولكنه الذي يملك نفسه عند الغضب.

ولقد عنيت السنة المطهرة عناية واضحة بفضيلة كظم الغيظ، فجاءت فيها مجموعة من الأحاديث الشريفة التي تنوه بمكانة هذا الخلق الإسلامي القرآني، فجاء في الحديث: «من كظم غيظا وهو قادر على أن ينفذه، دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق، حتى يخيّره من أي الحور العين شاء» . وجاء فيه: «من كظم غيظا - ولو شاء أن يمضيه لامضاه - ملأ الله قلبه يوم القيامة رضا» .

وتشير السنة إلى ما تتطلبه فضيلة كظم الغيظ من جهد ومعاناة، ومغالبة للهوى والنفس، فيقول الحديث الشريف: «ما جرع عبد جرعة أعظم أجرا من جرعة غيظ كظمها ابتغاء وجه الله تعالى» .

فالتعبير بكلمة «جرع» تفيد معنى المعاناة والمعالجة وحمل النفس على الشيء المتعب الذي يعقب خيرا، كما يتجرع المريض الدواء المر ليورثه الشفاء والعافية. وهذا هو الأصفهاني يقول في كتابه «مفردات القرآن» عن مادة جرع: جرع الماء يجرع، وقيل جرع وتجرعه إذا تكلف جرعه، قال عز وجل: «يتجرعه ولا يكاد يسيغه» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت