فهرس الكتاب

الصفحة 292 من 1257

وكأن احتياج كظم الغيظ إلى الجهد والمشقة والمقاومة، هو بعض السر في أن الله تبارك وتعالى قد جعل هذه الفضيلة من أخلاق اهل التقوى، كما جاء في التنزيل المجيد: (أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ) .

ولعل هذا هو السبب في أن السيدة عائشة رضي الله عنها كظمت غيظها، حينما غاظها بعض من يخدمها، وقالت: «لله در التقوى ما تركت الذي غيظ شفاء» .

[العامل المفسد لكظم الغيظ]

والغضب هو العامل المفسد لكظم الغيظ. فمن استجاب لداعي الغضب لم يستطع ان يكظم غيظه، ولذلك يروى أن رجلا رحل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له: علّمني شيئا، ولا تكثر علي لعلي أعيه. فقال له: لا تغضب، فكرر الرجل قوله مرارا، وفي كل مرة يقول له النبي: لا تغضب.

وفي بعض الروايات أن هذا الرجل يسمى «جارية بن قدامة»

وانه قال للنبي: أوصني ولا تكثر عليّ في الوصية لعلي أحفظها، فقال: لا تغضب، فأعاد الرجل السؤال فأعاد النبي الجواب.

وقد كرم الرسول صلوات الله وسلامه عليه أولئك الذين ينأون بأنفسهم عن الاستجابة للغضب الطائش الجامح، فقال: أشدكم من ملك نفسه عند الغضب، وأحلمكم من عفا عند القدرة. وقال: «من كفّ غضبه ستر الله عورته» . وقال: «من ملك غضبه وقاه الله عذابه» .

والعلماء يقولون ان الغضب هو فوران دم القلب لإرادة الانتقام، وهذا شيء كأن الإنسان مجبول عليه، ولا يستطيع التخلص منه بالكلية، ولكن المأمول من الرجل صاحب الأخلاق الفاضلة أن يتجنب أولا أسباب الغضب ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وأن لا يطيع الشيطان فيما يوسوس له من الاستجابة لداعي الغضب، فلا يتهور ولا يتجبر ولا يندفع. وهذا خلق من أخلاق الأنبياء، لأن الحلم شيمة من شيمهم الأساسية، والحليم لا يرتضي لنفسه التهور أو الاندفاع عند ثوران الغضب، ولقد قال الله تعالى عن نبيه يحيى: (وَسَيِّدًا وَحَصُورًا) (1) . وقال عكرمة في تفسير الحصور هنا: «انه السيد الذي لا يغلبه الغضب» .

هذا وإن كان المشهور عند جمهور المفسرين أن الحصور هو الذي لا يأتي النساء من العفة والاجتهاد في ازالة الشهوة. ولقد كان سيدنا رسول الله عليه الصلاة والسّلام يعطي المثل الأعلى في كظم الغيظ ومقاومة الغضب. وكان يتحمل من أذى قومه ما يتحمل وهو كاظم غيظه ضابط نفسه، ويقول في تواضع نبيل: «أوذي موسى بأكثر من ذلك فصبر» .

(1) سورة آل عمران، الآية 39.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت