فهرس الكتاب

الصفحة 1119 من 1257

أحب مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب الي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وان سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته».

وظاهر الحديث كما يقول ابن حجر أن محبة الله تعالى للعبد تقع بملازمة العبد التقرب بالنوافل، وربما قيل: ان الفرائض أحب العبادات المتقرب بها إلى الله، فكيف لا تنتج المحبة؟.

والجواب أن المراد من النوافل ما كانت حاوية للفرائض مشتملة عليها ومكملة لها، ويؤيد ذلك أن هناك رواية تقول: «ابن آدم. إنك لن تدرك ما عندي إلا بأداء ما افترضت عليك» .

وقيل ان معنى الحديث أنه إذا أدى الفرائض، وداوم على إتيان النوافل من صلاة وصيام وغيرهما أفضى به ذلك إلى محبة الله تعالى.

وينبغي أن نفهم ان النافلة لا تقدم على الفريضة لأن النافلة إنما سميت نافلة لأنها تأتي زائدة على الفريضة، فما لم تؤد الفريضة لا تحصل النافلة، ومن أدى الفرض وزاد عليه النفل، وأدام ذلك تحققت منه إرادة التقرب.

والكلام في هذا الحديث القدسي ورد على سبيل التمثيل، والمعنى كنت سمعه وبصره في إيثاره أمري، فهو يحب طاعتي ويؤثر خدمتي كما يحب هذه الجوارح، وهو بكليته مشغول بي، فلا يصغي بسمعه إلا إلى ما يرضيني، ولا يرى ببصره إلا ما أمرته به، أو كنت له في النصرة كسمعه وبصره، ويده ورجله، في المعاونة على عدوه.

وقيل ان التقدير: كنت حافظ سمعه الذي يسمع به، فلا يسمع

إلا ما يحل استماعه، وحافظ بصره كذلك. وقيل ان المعنى أنه لا يسمع إلا ذكري، ولا يلتذ إلا بتلاوة كتابي، ولا يأنس إلا بمناجاتي، ولا ينظر إلا في عجائب ملكوتي، ولا يمد يده إلا فيما فيه رضاي، ورجله كذلك.

وقد جاء في كتابي «أدب الأحاديث القدسية» (1) عبارة عن أنواع النوافل وفيها: ان من أعظم ما يتقرب به العبد إلى ربه من النوافل كثرة تلاوة القرآن الكريم، وسماعه القرآن بتفكر وتدبر وفهم، ولذلك روى الترمذي عن أبي أمامة مرفوعا: «ما تقرب العبد إلى الله تعالى بمثل ما خرج منه» يعني القرآن.

ومن النوافل أيضا كثرة ذكر الله تبارك وتعالى بحضور القلب مع النطق باللسان، ولذلك قال معاذ لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، أخبرني بأفضل الأعمال وأقربها إلى الله تعالى. فقال النبي عليه الصلاة والسّلام: «أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله تعالى» .

ومتى أكثر العبد من فعل الطاعات والبعد عن المخالفات أوجب ذلك له حب الله، فإذا أحبه رزقه محبته، فيصير الشخص لا يرى إلا الله، ولا ينطق إلا بالله، أي أن العبد متى اجتهد في الفرائض والنوافل امتلأ قلبه بمعرفة الله تعالى، ومحبته وعظمته، وخوفه ومهابته، واجلاله والانس به، حتى يصير قلبه من المعرفة مشاهدا له بعين البصيرة.

ومتى وصل العبد إلى هذه المرتبة صار جديرا بأن يجيب الله دعاءه وأن يحقق له رجاءه، وأن ينصره في مواطن حاجته إلى النصر.

هذا ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرص على التنفل والنوافل من غير ايجاب ولقد جاء في صحيح الإمام البخاري عن عائشة

(1) كتابي «أدب الأحاديث القدسية، صفحة 299، الطبعة الثانية، نشر دار الاعتصام سنة 1398 ه‍» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت