فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 1257

أحوالهم، ويعدّ أنفاسهم، كما قال القشيري في كتابه «التحبير في التذكير» . ويقول ابن الأثير إن الله هو الرقيب لأنه الحافظ الذي لا يغيب عنه شيء، وقد جاء وصف الله تعالى باسم الرقيب في أكثر من آية، ففي سورة المائدة على لسان عيسى: (فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ) . وفي سورة النساء: (إِنَّ اللهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) . وفي سورة الأحزاب: (وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا) .

والمراقبة بالمعنى الأخلاقي هي ملاحظة الإنسان نفسه في أعمالها وأقوالها، وتحركاتها وخطراتها، ليقيمها على الصراط السويّ، لأن إهمال ملاحظة النفس يؤدي بها إلى الطغيان والفساد. ويرى الصوفية أن المراقبة هي حالة للقلب يثمرها نوع من المعرفة، وهذه الحالة تثمر أعمالا في الجوارح وفي القلب، والمعرفة هنا هي العلم بأن الله محيط بكل شيء، وأنه عليم بكل شيء، وأنه مطلع على الضمائر، رقيب على السرائر، قائم على كل نفس بما كسبت. ومتى سيطرت تلك المعرفة على القلب جعلته مراعيا لله جل جلاله، ملاحظا إياه، منصرفا إليه. ولذلك يقول ابن القيم: «المراقبة دوام علم العبد باطلاع الحقّ سبحانه وتعالى على ظاهره وباطنه، فاستدامته لهذا العلم واليقين هي المراقبة، وهي ثمرة علمه بأن الله سبحانه رقيب، ناظر إليه، سامع لقوله، وهو مطلع على عمله كلّ وقت وكل لحظة وكل نفس وكل طرفة عين» . ويقول القشيري عن المراقبة في مفهوم الصوفية: «فالمراقبة عند أهل هذه الطائفة أن يصير الغالب على العبد ذكره بقلبه أن الله مطلع عليه على الدوام، فيخاف سطوات عقوبته في كل نفس، ويهابه في كل وقت» .

ومن هذا نفهم أن فضيلة «المراقبة» صفة تنبع من أعماق القلب، وتنبثق من طوايا النفس، وترتبط بالباطن اكثر مما ترتبط بالظاهر، فهي قائمة على الشعور الحيّ العميق بجلال الله وسلطانه، ولقد قال عبد الله بن المبارك لرجل: راقب الله تعالى؛ فسأله عن معنى ذلك، فقال له: كن أبدا كأنك ترى الله. والمرء لا يرى الله بباصرة ولا بجارحة ولا بحاسة، وإنما يرى جلاله بقلبه

وشعوره ووجدانه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت