فهرس الكتاب

الصفحة 1224 من 1257

ويتحدث الهروي عن درجات الفتوة فيقول: ان الدرجة الثانية منها هي أن تقرب من يقصيك، وتكرم من يؤذيك، وتعتذر إلى من يجني عليك، سماحة لا كظما، ومودة لا مثابرة. ويقول ابن القيم عن شيخه ابن تيمية: «وما رأيت أحدا قط أجمع لهذه الخصال من شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه - وكان بعض أصحابه الاكابر يقول: وددت أنه لاصحابه مثله لاعدائه وخصومه. وما رأيته يدعو على أحد منهم قط، وكان يدعو لهم. وجئت يوما مبشرا له بموت أكبر أعدائه وأشدهم عداوة وأذى له فنهرني وتنكر لي واسترجع، ثم قام من فوره إلى بيت أهله فعزاهم، وقال إني لكم مكانه، ولا يكون لكم أمر تحتاجون فيه إلى مساعدة إلا وساعدتكم عليه.

وفي تراثنا الأدبي كلمات نوابغ تدل على النبل في التماس الاعذار للناس، فهذا هو الشاعر المؤمل بن أميل يقول:

إذا مرضنا أتيناكم نعودكم ... وتخطئون فنأتيكم ونعتذر

ويقول الهروي: «اعلم أن من أحوج عدوه إلى شفاعة، ولم يخجل من المعذرة إليه، لم يشم رائحة الفتوة» ومعنى هذا ان الذي يستحق لقب الفتى لا يحوج غيره إلى الاعتذار، وفي التعليق على ذلك يقول ابن القيم: «يعني ان العدو متى علم انك متألم من جهة ما نالك من الأذى منه احتاج إلى أن يعتذر إليك، ويشفّع إليك شافعا يزيل ما في قلبك منه فالفتوة كل الفتوة أن لا تحوجه إلى الشفاعة، بأن لا يظهر له منك عتب ولا تغير عما كان له منك قبل معاداته ولا تطوي عنه بشرك ولا برّك، وإذا لم تخجل أنت من قيامه بين يديك مقام المعتذر لم يكن لك في الفتوة نصيب» .

من هذا الباب ما قاله الهروي: كل معصية عيّرت بها أخاك فهي لك. وقول الترمذي: «من عيّر أخاه بذنب لم يمت حتى يعمله» .

وذكر الحارث المحاسبي أن من حسن الخلق احتمال الأذى وقلة الغضب، وبسط الوجه، وطيب الكلام. ويستلزم حسن الخلق أمورا منها: كتمان السيئة واحتمالها، وعدم استجابة الغضب، وعدم ظهور غيظ على الوجه، والكلام الطيب الجميل.

نسأل الله جلت قدرته أن يجعلنا من الذين يلتمسون الاعذار للناس. وأن نتذكر على الدوام قول القائل:

رزقت أكرم ما في الناس من خلق ... إذا رزقت التماس العذر في الشيم

وعلى الله قصد السبيل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت