فهرس الكتاب
العلوم، وأسمار الملوك وأشعار العرب. وأما أهل الدين فأكثر آدابهم في رياضة النفوس وتأديب الجوارح وحفظ الحدود وترك الشهوات. واما أهل الخصوصية فأكبر آدابهم هي طهارة القلوب، ومراعاة الاسرار، والوفاء بالعهود، وحفظ الوقت، وقلة الالتفات إلى الخواطر، وحسن الأدب في مواقف الطلب، وأوقات الحضور ومقامات القرب.
ورأس أنواع الأدب أدب الإنسان مع الله سبحانه، وهو أيضا ثلاثة أنواع:
الأول: صيانة معاملته أن يشوبها بنقيصة.
الثاني: صيانة قلبه أن يلتفت إلى غيره.
الثالث: صيانة إرادته أن تتعلق بما يمقتك عليه. ولهذا يقول بعضهم: الحق سبحانه تعالى يقول: من ألزمته القيام مع أسمائي وصفاتي الزمته الأدب. ويقول ابو حفص: حسن الأدب في الظاهر عنوان حسن الأدب في الباطن، فالأدب مع الله حسن الصحبة معه، بايقاع الحركات الظاهرة والباطنة على مقتضى التعظيم والاجلال والحياء. كحال مجالس الملوك ومصاحبتهم. ويقول ابن عطاء الله: الأدب الوقوف مع المستحسنات، أي أن تعامله سبحانه وتعالى بالأدب سرا وعلنا. وأنشد قول الشاعر:
إذا نطقت جاءت بكل ملاحة ... وان سكتت جاءت بكل مليح
وينبغي أن نتذكر أن أهل الأدب والأخلاق يجعلون أدب الإنسان في طاعة الله مرتبة فوق طاعة الله، ولذلك يقول ابو علي الدقاق: العبد يصل بطاعة الله إلى الجنة، ويصل بأدبه في طاعته إلى الله.
ويأتي بعد الأدب مع الله الأدب مع رسول الله صلوات الله عليه وسلامه وهو - كما يصور ابن القيم - أن لا يتقدم بين يدي الرسول بأمر
ولا نهي، ولا اذن ولا تصرف، حتى يأمر النبي وينهى ويأذن، كما قال الله تعالى في سورة الحجرات:
«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ» (1) .
وهذا باق إلى يوم القيامة لم ينسخ، فالتقدم بين يدي سنته بعد وفاته كالتقدم بين يديه في حياته، ولا فرق بينهما عند ذي عقل سليم. قال مجاهد: لا تفتأتوا على رسول الله صلى الله عليه وآله. وقال غيره: لا تأمروا حتى يأمر، ولا تنهوا حتى ينهى.
ومن الأدب مع النبي ألا ترفع الاصوات فوق صوته، فإنه سبب لهبوط الاعمال، فما الظن برفع الآراء ونتائج الافكار على سنته وما جاء به؟ أترى ذلك موجبا لقبول الاعمال، ورفع الصوت فوق صوته موجب لهبوطها؟
ومن الأدب معه أن لا يجعل دعاءه كدعاء غيره، قال تعالى في سورة النور:
«لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا» (2) .
أي لا تدعوه باسمه كما يدعو بعضكم بعضا، بل قولوا يا رسول الله، يا نبي الله. أو لا تجعلوا دعاءه لكم بمنزلة دعاء بعضكم بعضا ان شاء أجاب، وان شاء ترك، بل إذا دعاكم لم يكن لكم بد من اجابته، ولم يسعكم التخلف عنه البتة. ومن الأدب مع الرسول أنهم إذا كانوا معه على
(1) سورة الحجرات، الآية الأولى.
(2) سورة النور، الآية 63.