فهرس الكتاب

الصفحة 183 من 1257

وكلمة الصبر فيها معنى الانتظار، وعلى هذا جاء قول الله تعالى: «فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ) أي انتظر، وفيها معنى الاستقامة والمداومة، وعلى هذا جاء قول القرآن: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ) أي احبس نفسك معهم، واستقم على ملازمتهم، ولعل هذا المعنى موجود في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ، الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) . أي قاموا بالعمل الصالح، وداوموا عليه، وصبروا فيه، حتى تمام العمل.

والصبر فضيلة تتعدد مجالاتها، فهناك صبر على الطاعة، أي استمساك بأدائها، وصبر على المعصية أي حرص موصول على تجنبها، وصبر في الابتلاء، أي حسن احتمال له، فلا بد للمؤمن من صبر على أداء الواجب، وصبر عن الآثام والخطايا. وصبر بحفظ اللسان عن الخنا والفحش، وصبر بحرص اللسان على النطق بكلمة الحق حينما تجب، وصبر بصيانة القلب والعقل من خواطر السوء، وصبر بحفظ الجوارح والأعضاء من سوء الاستخدام، وصبر عند الشدائد والنوازل، وصبر في مواطن الجهاد والنضال بالإقدام والثبات وعدم الفرار أو التولي من الزحف، والله تعالى يقول: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ) . فتولية الأدبار ضد الصبر.

والصبر لفظ عام ينتظم جملة فضائل، وقد يسمى بأسماء كثيرة لكثرة مواطنه ومظاهره، فالصبر في الحرب يسمى شجاعة، والصبر في النوائب قد يسمى برحابة الصدر، والصبر مع السر قد يسمى بالكتمان، وقد تعرض الإمام الغزالي لكثرة أنواع الصبر وألوانه واختلاف اسمائه باختلاف متعلقاته، فقال:

«إن كان صبرا على شهوة البطن والفرج سمي عفة، وإن كان عن احتمال

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت