فهرس الكتاب

الصفحة 185 من 1257

لا يستحي في بلد غربته كما يستحي إذا كان بين أهله ومعارفه، وهو حينئذ مملوك، والمملوك لا يكون له في العادة ما للحر من وازع، والتي تغريه بالفاحشة امرأة ذات جمال وإغراء، وهي سيدته التي تأمره، وعليه في عرف الناس أن يطيع، وهي التي تدعوه وتحرّضه في حرص وشغف، وهي تتوعده وتنذره بالعذاب إن لم يستجب لهواها، ومع ذلك أبى وأعرض، وصبر اختيارا وإيثارا لما عند الله: (وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ، قالَ مَعاذَ اللهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ، وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ، كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ، إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ)

وكثير من الناس يظنون أو يزعمون أن الصبر خلق سلبي، وأن معناه الاستسلام والرضى بالواقع والكف عن معالجة الأمور والاحتيال للخروج من الشدائد والأزمات، وهذا فهم خاطئ ووهم فاسد، فالصبر كما يكون جهدا نفسيا للتأبي على المعاصي والابتعاد عن السيئات، يكون في كثير من الأحيان جهدا عمليا إيجابيا، فيه حركة، وفيه سعي، وفيه انتاج، وفيه تحمل للتبعات وتعرض لجلائل الأعمال ومواقف الأبطال، وقد فهم ذلك البصراء من أعلام هذه الأمة، حتى في المجال الصوفي الذي يقال عنه إنه يميل إلى السلبية والرضى بالواقع، ففي الأدب الصوفي جاء قولهم: «الصبر تعويد النفس الهجوم على المكاره» . وجاء فيه أيضا قولهم: «تجرّع الصبر (احتمله) فإن قتلك قتلك شهيدا، وإن أحياك أحياك عزيزا» . وكذلك قال عمرو بن عثمان: «الصبر الثبات مع الله، وتلقّي بلائه بالرحب والدعه» .

والصبر لا يناقض الإحساس بالألم، لأن هذا الاحساس أمر طبيعي ليس معيبا، وإنما المعيب هو الخضوع لهذا الإحساس والرضا به، أو الاستجابة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت