ومما يجلو مكانة الصبر وشأنه أن الله تبارك وتعالى جعله صفة من صفاته، فالله جل جلاله هو «الصّبور» ، أي الذي لا يعاجل العصاة بالانتقام والعقاب، وفي الحديث القدسي الذي رواه النبي عن ربه: «إني أنا الصبور» . وفي الحديث النبوي: «لا أحد أصبر على أذى يسمعه من الله عز وجل» .
ومعنى «الصبور» قريب من معنى «الحليم» ، والفرق بينهما أن المذنب لا يأمن العقوبة في صفة «الصبور» كما يأمنها في صفة «الحليم» .
والقرآن المجيد يحدثنا بأن الصبر صفة الأنبياء والمرسلين، فهو يقول في سورة «ص» عن أيوب: (إِنَّا وَجَدْناهُ صابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) . ويقول في سورة الأنبياء: (وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ) . ويقول في سورة يونس لرسول الله محمد عليه الصلاة والسّلام: (وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ) . ويقول في سورة الأحقاف مخاطبا إياه أيضا: (فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ) . ويقول في سورة الأنعام: (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا) .
والصبر هو - كما يحدثنا القرآن الكريم - خلق أهل العزيمة القوية، وأصحاب الإرادة الماضية، الذين يعرفون الخير، ويعزمون عليه، ويمضون فيه، لا ينثنون عنه مهما كلفهم من تعب أو مشقة، ومن هنا جعل القرآن الصبر من «عزم الأمور» ، والعزم هو عقد القلب على إمضاء الأمر، وهو أيضا المحافظة على ما يؤمر الإنسان به، وقيل إن عزم الأمور هو محكم
الأمور. وقيل إن عزم الأمور معناه معزومات الأمور التي يجب العزم عليها، أو مما عزم الله تعالى أن يكون، أي من عزمات أموره التي لا بد من وقوعها، فهي مطلوبة مأمور بها.
يقول الله تبارك وتعالى في سورة الشورى،: (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) ، ويقول في سورة لقمان: (وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) . ويقول في سورة آل عمران: (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) .