فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 1257

وفي موطن آخر يقول لهم: (فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ) .

وليست هذه دعوة إلى بغي أو طغيان، وإنما يعوّد القرآن أتباعه أن يكونوا أولا على حيطة وحذر، فيقووا أنفسهم بكل وسائل التقوية والتحصين، حتى يكونوا أصحاب رهبة في نفوس أعدائهم، وإلّا تطاولوا عليهم وعصفوا بهم، ومن هنا قال:

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ) . ويقول: (وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا) . ويقول: (وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ) .

وإذا شاءت الأقدار يوما أن يلتقي المؤمنون في معركة مع الكافرين، فالواجب حينئذ على كل مؤمن أن يظل عزيزا قويا، وأن يثبت على مبادئه وعقائده، لا يخيفه الألم ولا التعب، بل يبذل جهده وطاقته، مستخدما كلّ ما أعده قبل ذلك من سلاح وعتاد، واثقا أنه مربوط الأسباب بالله القوي القادر؛ وإذا شاء الله تعالى له لونا من ألوان الاختبار والابتلاء، تحمله راضيا صابرا، محتفظا بعزته وكرامته وشهامته، موقنا بأن احتمال الألم خير ألف مرة من التخاذل والاستسلام: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ، وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ، الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) .

والإسلام - مع هذا - يدعو أتباعه إلى السّلام العادل المنصف، الذي لا ينطوي على ضيم أو ذل، ويدعوهم أن يغفروا الهفوة إذا كانت عن غير تعمد أو كانت لا تبلغ مبلغ الإهانة، أو لا تخدش العزة والكرامة، أما إذا كانت الخطيئة بغيا فعلاجها الرد عليها بما يغسل العار، ويدفع الضيم، ويصون الكرامة، ولذلك يقول التنزيل المجيد:

(وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ، وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها، فَمَنْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت