وقد روى المفسرون أن هذه الكلمات نزلت في جماعة آمنوا من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وغيره، وقوله: (وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ) معناه: يبادرون إلى فعل الخيرات والطاعات، خوف الفوات بالموت. وقيل: معناه أنهم يعملون الأعمال الصالحة، غير متثاقلين أو متوانين فيها، بل يجتهدون وينشطون لعلمهم بجلالة موقعها وحسن عاقبتها، وهذه المسارعة صفة من صفات المدح، لأن المسارعة في الخير دليل على فرط الرغبة فيه والحب له، والحرص على ألا يفوت لعارض من العوارض أو حائل من الحوائل، ومن فعل تلك المنزلة صار من خيار المتحلين بمكارم الأخلاق.
وشأن المؤمن المخلص أنه لا يتباطأ عن مواطن الخير، وفي طليعتها مواطن العبادة، لأن التباطؤ في الخير هو شأن الذين في قلوبهم مرض، كما قال الله تعالى في شأن المنافقين في سورة النساء: (إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ، وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلَّا قَلِيلًا، مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا) .
ولأن المؤمنين الصادقين من شأنهم أن يسارعوا إلى الطاعات والقربات، قالت الآية بعد وصفهم بهذه المسارعة: (وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ) أي الذين صلحت نفوسهم، فاستقامت أحوالهم، وحسنت أعمالهم.
ويقول الله تبارك وتعالى في سورة آل عمران: (وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) . والمسارعة إلى المغفرة والجنة هي المبادرة إلى أسبابهما، وما يعد الإنسان لنيلهما والفوز بهما، أي سارعوا إلى ما يوجب لكم مغفرة ربكم ونعيم جنته.