ولقد جاء ذكر الإنابة في خمسة عشر موضعا من القرآن الكريم، والله تبارك وتعالى يدعو إليها عباده وفي طليعتهم الأنبياء والمرسلون، فيقول لرسوله صلوات الله وسلامه عليه ومن ورائه أتباعه في سورة الروم: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا، فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها، لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ، ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ، مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) . ويقول في سورة الزمر: (وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ) . وفي سورة لقمان:
(وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) فالله جل جلاله يأمر عبده المستجيب بأن يسلك طريق من رجع إلى الله بالتوحيد والإخلاص في الطاعة، ومن سلك طريق المنيب فقد صار مثله منيبا، فكأنه قال له اسلك طريق الإنابة وكن منيبا. ومن سمو فضيلة الإنابة جعلها الله عزّ شأنه صفة لأنبيائه ورسله، فقال عن خليل الرحمن إبراهيم في سورة هود: (إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ) . والحليم هو غير العجول على الانتقام من المسيء، والأواه هو كثير التأوه من الذنوب، والتأسف على الناس، والتضرع إلى الله، وكان إبراهيم عليه السلام منيبا، أي كثير الرجوع إلى الله، يرجع إليه في كل أمر.
وكذلك قال الله تعالى عن نبيه شعيب عليه السلام في سورة هود: (قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا، وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ، إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ، وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) اي أقبل عليه بكل حسي ونفسي، واليه وحده أرجع في كل ما نابني من الأمور في الدنيا، ومنه وحده اطلب ثوابي على اعمالي، فأنا لا ارجو منكم اجرا، ولا اخاف منكم ضرّا وعلى ربي أقبل بطاعتي، كما أرجع إليه بتوبتي.