فهرس الكتاب

الصفحة 328 من 1257

والإمام ابن القيم يتكلم عن «التوسط» فيرفع شأنه، ويقرر مكانه، فيرى ان «التوسط» احد اركان اربعة يقوم عليها حسن الأخلاق، وهي الصبر، والعفة، والشجاعة، والتوسط، ويعبر عن معنى التوسط بلفظ «العدل» . ويقول ان العدل يحمل الإنسان على اعتدال أخلاقه، وتوسطه فيها بين طرفي الافراط والتفريط، فيحمله على خلق الجود والسخاء الذي هو توسط بين الذلة والوقاحة، وعلى

خلق الشجاعة الذي هو توسط بين الجبن والتهور، وعلى خلق الحلم. الذي هو توسط بين الغضب والمهانة.

وإنما كان للتوسط هذه المكانة الجليلة لأن كل خلق محمود - كما يتحدث ابن القيم في توسع - مكتنف بخلقين ذميمين، وهو وسط بينهما، وطرفاه خلقان ذميمان، كالجود الذي يكتنفه خلقا البخل والتبذير، والتواضع الذي يكتنفه خلقا المهانة والكبر. فإن النفس متى انحرفت عن «التوسط» انحرفت إلى احد الخلقين الذميمين، ولا بد، فإذا انحرفت عن خلق «التواضع» انحرفت اما إلى كبر واما إلى ذلة. وإذا انحرفت عن خلق «الحياء» انحرفت اما إلى وقاحة واما إلى خور ... وكذلك إذا انحرفت عن خلق «الصبر المحمود» انحرفت اما إلى جزع، واما إلى غلظة.

وإذا انحرفت النفس عن خلق «الحلم» انحرفت اما إلى طيش واما إلى عجز، وإذا انحرفت عن خلق «الرفق» انحرفت اما إلى عنف، واما إلى اضاعة. وإذا انحرفت عن خلق «العزة» التي وهبها الله للمؤمنين، انحرفت اما إلى كبر، واما إلى ذل. وإذا انحرفت عن خلق «الشجاعة» انحرفت اما إلى تهور، واما إلى جبن. وإذا انحرفت عن خلق «القناعة» انحرفت اما إلى الحرص، واما إلى الخسة. وإذا انحرفت عن خلق «الرحمة» انحرفت اما إلى القسوة، واما إلى ضعف القلب ... الخ

ثم يقول الإمام ابن القيم: «وصاحب الخلق الوسط مهيب محبوب، عزيز جانبه، حبيب لقاؤه. وفي صفة نبينا صلى الله عليه وسلم: من رآه بديهة هابه، ومن خالطه عشرة أحبه» .

وقد يظن ظان ان بلوغ فضيلة التوسط امر سهل ميسور، مع ان الشوط إليها بعيد، وقد تحدث حجة الإسلام الغزالي عن شدة الغموض

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت