فهرس الكتاب

الصفحة 365 من 1257

ولا في صيف دون شتاء، ولا في نهار دون ليل، ولا في ليل دون نهار، ولا يأتي في الصبا دون الشباب، ولا في الشباب دون الصبا، بل كل نفس من الأنفاس يمكن أن يكون فيه الموت فجأة، فإن لم يكن الموت فجأة فيكون المرض فجأة، ثم يفضي إلى الموت.

فمالك لا تستعدين للموت وهو أقرب إليك من كل قريب؟. أما تتدبرين قوله تعالى: (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ، ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ، لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ»؟ .. )

ويحك يا نفس!. لو واجهك عبد من عبيدك، بل أخ من اخوانك بما تكرهينه، كيف كان غضبك عليه، ومقتك له (1) ، فبأي جسارة تتعرضين لمقت الله وغضبه، وشديد عقابه؟. أفتظنين أنك تطيقين عذابه؟ هيهات هيهات. جربي نفسك ان ألهاك البطر عن أليم عذابه، فاحتبسي ساعة في الشمس، أو في بيت الحمّام، أو قربي اصبعك من النار، ليتبين لك قدر طاقتك.

أم تغترين بكرم الله وفضله، واستغنائه عن طاعتك وعبادتك، فما لك لا تعوّلين على كرم الله تعالى في مهمات دنياك؟. فإذا قصدك عدو فلم تستنبطين الحيل في دفعه، ولا تكلينه إلى كرم الله تعالى، وإذا أرهقتك حاجة إلى شهوة من شهوات الدنيا مما لا ينقضي (2) إلا بالدينار والدرهم، فمالك تنزعين الروح في طلبها وتحصيلها من وجوه الحيل؟. فلم لا تعوّلين على كرم الله تعالى حتى يعثر بك على كنز، أو يسخر عبدا من عبيده، فيحمل إليك حاجتك من غير سعي منك ولا طلب؟.

(1) مقته: أبغضه أشد البغض وكرهه لأمر قبيح ركبه.

(2) لا ينقضى: أي لا يتحقق ولا يدركه مريده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت