فهرس الكتاب
أوَما تنظرين إلى الدين مضوا: كيف بنوا وعلوا، ثم ذهبوا وخلوا، وكيف أورث الله أرضهم وديارهم أعداءهم؟. أما ترينهم كيف يجمعون ما لا يأكلون، ويبنون ما لا يسكنون، ويؤملون ما لا يدركون؟.
يبني كل واحد قصرا مرفوعا إلى جهة السماء، ومقره قبر محفور تحت الأرض، فهل في الدنيا حمق وانتكاس (1) أعظم من هذا؟ يعمر الواحد دنياه وهو مرتحل عنها يقينا، ويخرب آخرته وهو صائر إليها قطعا. أما تستحين يا نفس من مساعدة هؤلاء الحمقى على حماقتهم؟.
واحسبي أنك لست ذات بصيرة تهتدي إلى هذه الأمور، وإنما تميلين بالطبع إلى التشبه والاقتداء، فقيسي عقل الأنبياء والعلماء والحكماء، بعقل هؤلاء المكبين (2) على الدنيا، واقتدي من الفريقين بمن هو أعقل عندك، ان كنت تعتقدين في نفسك العقل والذكاء.
يا نفس! ما أعجب أمرك، وأشد جهلك، وأظهر طغيانك! عجبا لك، كيف تعمين عن هذه الأمور الواضحة الجلية؟.
ولعلك يا نفس أسكرك حب الجاه، وأدهشك عن فهمها، أو ما تتفكرين أن الجاه لا معنى له إلا ميل القلوب من بعض الناس إليك، فاحسبي أن كل من على وجه الأرض سجد لك وأطاعك، أفما تعرفين أنه بعد خمسين سنة لا تبقين أنت ولا أحد ممن على وجه الأرض ممن عبدك وسجد لك، وسيأتي زمان لا يبقى ذكرك ولا ذكر من ذكرك، كما أتى على الملوك الذين من قبلك: «هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا (3) » ؟.
(1) انتكاس: انقلاب على الرأس. وانتكس الرجل في أمره: خاب وخسر.
(2) أكب الرجل على الشيء إذا لزمه ولم يفارقه.
(3) ركزا: الركز الصوت الخفي.