فهرس الكتاب

الصفحة 377 من 1257

والفطنة، ومن فطنتك أنك تفرحين كل يوم بزيادة مالك، ولا تحزنين بنقصان عمرك، وما نفع مال يزيد وعمر ينقص؟.

ويحك يا نفس! تعرضين عن الآخرة وهي مقبلة عليك، وتقبلين على الدنيا وهي معرضة عنك، فكم من مستقبل يوما لا يستكمله، وكم من مؤمل لغد لا يبلغه، فأنت تشاهدين ذلك في اخوانك وأقاربك وجيرانك، فترين تحسرهم عند الموت، ثم لا ترجعين عند جهالتك.

فاحذري أيتها النفس المسكينة يوما آلى الله فيه على نفسه أن لا يترك عبدا أمره في الدنيا ونهاه، حتى يسأله عن عمله: دقيقه وجليله، سره وعلانيته. فانظري يا نفس بأي بدن تقفين امام الله، وبأي لسان تجيبين. وأعدي للسؤال جوابا، وللجواب صوابا، واعملي بقية عمرك في أيام قصار لأيام طوال، وفي دار زوال لدار مقامة، وفي دار حزن ونصب لدار نعيم وخلود.

اعملي قبل ان لا تعملي، اخرجي من الدنيا اختيارا خروج الأحرار، قبل أن تخرجي منها على الاضطرار، ولا تفرحي بما يساعدك من زهرات الدنيا، فرب مسرور مغبون، ورب مغبون لا يشعر. فويل لمن له الويل ثم لا يشعر، يضحك ويفرح، ويلهو ويمرح، ويأكل ويشرب، وقد حق له في كتاب الله أنه من وفود النار.

فليكن نظرك يا نفس إلى الدنيا اعتبارا (1) ، وسعيك لها اضطرارا، ورفضك لها اختيارا، وطلبك للآخرة ابتدارا، ولا تكوني ممن يعجز عن شكر ما أوتي، ويبتغي الزيادة فيما بقي، وينهى الناس ولا ينتهي.

(1) اعتبارا: للتفكر وأخذ العبرة. واضطرارا: أي بقدر الضرورة.

واختيارا: بارادتك واختيارك، وابتدارا: أي مسارعة ومسابقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت