فهرس الكتاب

الصفحة 418 من 1257

حتى نال الشهادة في سبيل الله بلا تردد ولا تقهقر، بعد أن أصابه بضعة وثمانون جرحا، ما بين ضربة بالسيف، أو طعنة بالرمح، أو رمية بالسهم، ومثّل بجثته المشركون الطغاة، حتى خفيت معرفته على قومه، فلم تعرفه إلا أخته بعلامة كانت فيه، عليه رضوان الله تبارك وتعالى.

وكذلك ضرب «الانصار» أروع الامثال في الوفاء:

عن أنس بن مالك قال: لما كان يوم حنين أقبلت هوازن وغطفان وغيرهم، بذراريهم ونعمهم، ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ عشرة آلاف، ومعه الطلقاء، فأدبروا عنه حتى بقي وحده.

فنادى يومئذ نداءين لم يخلط بينهما شيئا. التفت عن يمينه فقال: يا معشر الأنصار. فقالوا: لبيك يا رسول الله، نحن معك، أبشر.

ثم التفت عن يساره فقال: يا معشر الأنصار. فقالوا: لبيك يا رسول الله، أبشر، نحن معك. وهو على بغلة بيضاء، فنزل وقال: أنا عبد الله ورسوله.

فانهزم المشركون، وأصاب النبيّ غنائم كثيرة، فقسمها بين المهاجرين والطلقاء، ولم يعط الأنصار منها شيئا فقالوا (أي بعضهم) : إذا كانت الشدة ندعى، ويعطى الغنائم غيرنا، فبلغه ذلك فجمعهم وقال: يا معشر الأنصار، ما شيء بلغني عنكم؟. فسكتوا، فقال: يا معشر الأنصار، أما ترضون أن يذهب الناس بالدنيا، وتذهبون بمحمد صلى الله عليه وسلم، تحوزونه إلى بيوتكم؟.

قالوا: بلى يا رسول الله، رضينا!.

فقال رسول الله: لو سلك الناس واديا، وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار!.

وهكذا يكون الوفاء عند أهل الصدق والفداء.

وان للوفاء لشأنا وخبرا عند أعلام هذه الأمة المحمدية المؤمنة، فهذا أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وكرم الله وجهه، يقول: «ان الوفاء توأم الصدق (1) ، ولا أعلم جنّة (2) أوفى منه، ولا يغدر من علم كيف المرجع (3) . ولقد أصبحنا في زمان قد اتخذ أكثر أهله الغدر كيسا (4) ونسبهم أهل الجهل إلى حسن الحيلة. مالهم قاتلهم الله؟. قد يرى الحوّل القلّب (5) وجه الحيلة ودونه مانع من أمر الله ونهيه فيدعها رأي عين بعد القدرة عليها، وينتهز فرصتها من لا حريجة (6) له في الدين» .

وكأن الإمام يريد أن يقول: ان أهل ذلك الزمان يعدون الغدر من العقل وحسن الحيلة، سفها منهم وجهلا، ويقول: ما لهم قاتلهم الله يزعمون ذلك، مع أن الإنسان البصير بتحويل الأمور وتقليبها قد يرى وجه الحيلة في بلوغ مراده، ولكنه يجد دون الاخذ بالحيلة مانعا من أمر الله ونهيه، فيدع الحيلة وهو قادر عليها، مبصر لها بعينيه، خوفا من الله تعالى، ووقوفا عند حدوده (7) .

وللأستاذ الإمام محمد عبده كلمة يصور بها أثر الوفاء في عظمة الشعوب والأمم، يقول فيها:

(1) التوأم الذي يولد مع الآخر، والمعنى أن الصدق والوفاء قرينان.

(2) الجنة - بضم الجيم ـ: الوقاية.

(3) من علم أن رجوعه إلى الله لا يقبل الغدر ولا يفعل الخيانة.

(4) أي يعدونه من باب التعقل وحسن الحيلة.

(5) الحول القلب: البصير بتحويل الأمور وتقليبها. أي انه قد يعرف الحيلة ولكنه لا يفعلها خشية لله تعالى.

(6) الحريجة: التحرج، أي تجنب الآثام خشية من الله سبحانه.

(7) انظر نهج البلاغة، ج 1 ص 88.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت