فهرس الكتاب

الصفحة 454 من 1257

وإذا تطلعنا إلى رسول الله صلوات الله وسلامه عليه لوجدناه مثلا باهرا في القوة، ففوق ما آتاه الله من سلامة الحس والنفس، ونقاء الجسم وفتوة البدن، آتاه القوة الروحية الأخلاقية القائمة على الثبات وقوة الإرادة وصلابة العزيمة، ولا عجب فهو القائل وقد تألبت عليه جموع المشركين: «والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله، أو أهلك دونه» . وهو الذي كان يتحصن به الاشداء الاقوياء من صحابته في ساحات الجهاد وساعات الهول، حتى يقول عنه الإمام علي: «كنا إذا اشتد البأس واحمرت الحدق، اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فما يكون احد منا أقرب إلى العدو منه» .

ويقول البراء: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تشمر

للقتال أشد الناس بأسا، وكان الشجاع منا هو الذي يقترب منه في الحرب لشدة قربه من العدو».

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبب في القوة العاقلة الفاضلة، فكان يدعو ربه قائلا: «أعوذ بك من العجز والكسل» . ويقول «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وان أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن (لو) تفتح عمل الشيطان» .

وبعض الناس - كما أوضحت في كتابي «من أدب النبوة» يتوهمون حين يسمعون صدر هذا الحديث أن المراد بالقوة فيه هو قوة البدن فحسب، مع أن إطلاق القوة هنا يشمل قوة البدن وقوة العقل، وقوة الروح، وقوة العمل، كما أن الضعف وهو ضد القوة يكون في هذه الأشياء كلها، ولذلك ورد عن الرسول عليه الصلاة والسّلام قوله: «ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» ، والصرعة هو الرجل الموفور القوة، الذي يعتمد على متانة الأعضاء فحسب (1) .

ويقول القرآن المجيد على لسان ابنة شعيب في حق موسى عليه السلام: (يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) أي القادر على انجاز عمله بجد ونشاط، مع أمانة وإخلاص. ويروى أن أباها قال لها: وما علمك بقوته وأمانته؟. فأجابت: انه رفع الصخرة التي

(1) انظر كتابي «من أدب النبوة» ص 297 - 301 طبع مطابع الاهرام التجارية بالقاهرة سنة 1971.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت