فهرس الكتاب

الصفحة 479 من 1257

ويعود الإمام فيتحدث عن مراتب الحياة، فيذكر حياة الأرض بالنبات، وحياة النمو والاغتذاء، وحياة الحيوان بالاحساس والحركة، وحياة الملائكة والأرواح، وحياة العلم من موت الجهل، وحياة الإرادة والهمة، ثم يصل إلى مرتبة عليا هي «حياة الأخلاق» ويقول عنها:

«المرتبة السابعة من مراتب الحياة حياة الأخلاق والصفات المخمودة، التي هي حياة راسخة للموصوف بها، فهو لا يتكلف الترقي في درجات

الكمال، ولا يشق عليه لاقتضاء أخلاقه وصفاته لذلك، بحيث لو فارقه ذلك لفارق ما هو من طبيعته وسجيته، فحياة من قد طبع على الحياء والعفة، والجود والسخاء، والصدق والوفاء، ونحوها، أتمّ من حياة من يقهر نفسه، ويغالب طبعه، حتى يكون كذلك، فإن هذا بمنزلة من تعارضه أسباب الداء وهو يعالجها ويقهرها بأضدادها، وذلك بمنزلة من قد عوفي من ذلك.

وكلما كانت هذه الأخلاق في صاحبها أكمل كانت حياته أقوى وأتم، ولهذا كان خلق «الحياء» مشتقا من «الحياة» اسما وحقيقة، فأكمل الناس حياة أكملهم حياء، ونقصان حياء المرء نقصان من حياته، فإن الروح إذا ماتت لم تحس بما يؤلمها من القبائح، فلا تستحيي منها، فإذا كانت صحيحة الحياة أحست بذلك فاستحيت منه، وكذلك سائر الأخلاق الفاضلة والصفات الممدوحه تابعة لقوة الحياة، وضدها من نقصان الحياة.

ولهذا كانت حياة الشجاع أكمل من حياة الجبان، وحياة السخي أكمل من حياة البخيل، وحياة الفطن أكمل من حياة الفدم البليد. ولهذا لما كان الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - أكمل الناس حياة، حتى ان قوة حياتهم تمنع الأرض أن تبلي أجسامهم، كانوا أكمل الناس في هذه الأخلاق، ثم الامثل فالامثل من أتباعهم».

الأخلاق - اذن - هي الروح، وهي الحياة، والإنسان لا يكون إنسانا فاضلا كاملا إلا بمكارم الأخلاق. وأخلاق القرآن هي أخلاق الإنسانية العليا والحياة المثلى، فلا عجب إذا استحوذت على الالباب. وامتدت في الحديث عنها الأسباب.

فيا رب الارباب، يا مصدر التوفيق، ويا خير رفيق. لقد شاءت ارادتك، أن تتسع رحمتك، فتدفع بهذا القلم إلى الاشتغال بالقرآن.

والعكوف على أخلاق القرآن ... اللهم فلا تحرمه عطاءك، ولا تقطع عنه آلاءك، واجعل ما قدّم وما يقدم بابا من أبواب مغفرتك ومرضاتك، انك أنت السميع المجيب.

أبو حازم

أحمد الشرباصي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت