فهرس الكتاب
عاقبت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه».
وأنت إذا أحسنت إلى من أساء إليك قادته تلك الحسنة إلى مصافاتك ومحبتك والحنو عليك، حتى يصير كأنه صديق قريب إليك من الشفقة عليك والإحسان معك، وهذه فضيلة لا يؤدي حقوقها إلا من كان صاحب نصيب وافر من التوفيق والسعادة في الدنيا والآخرة.
وفي موطن آخر يقول ابن كثير انه لا يلهم هذه الوصية، أو هذه الخصلة، أو هذه الصفة، إلا الذين صبروا على أذى الناس، فعاملوهم بالجميل أمام القبيح منهم. والصبر هنا يشمل الاحتمال والحلم والعفو وضبط النفس وقوة الإرادة، ولذلك يقول ابن عباس: «أمر الله المؤمنين بالصبر عند الغضب، والحلم عند الجهل، والعفو عند الاساءة، فإذا فعلوا ذلك عصمهم الله من الشيطان، وخضع لهم عدوهم كأنه ولي حميم» .
ومما ينبغي تدبره والاعتبار به ان سورة فصلت بعد ان تورد الأمر بالدفع بالتي هي أحسن، تقول عقب ذلك مباشرة: «وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» وكأن السورة تريد أن أن تقول لنا أن الشيطان بنزغه واضلاله وإفساده هو الذي يزين للإنسان أن يدفع بالتي هي أسوأ، والواجب على المسلم أن يحذر نزغ الشيطان ووسوسته، حتى لا ينحرف عن سواء السبيل.
ولذلك نراه أيضا يقول في سورة الأعراف:
«خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ، وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ، إِنَّهُ سَمِيعٌ
عَلِيمٌ» (1) .
وكذلك يقول في سورة المؤمنون:
«ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ، وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ، وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ» (2) .
ها نحن أولاء نرى في المواطن الثلاثة أن القرآن الحكيم يحذر من نزغ الشيطان الذي يحرض الإنسان على أن يدفع بالسيئة، مع أن القرآن يوصيه أن يدفع بالتي هي أحسن.
وحسب فضيلة «الدفع بالحسنى» شرفا وعلوّ مكانة وسمو منزلة أن يحكم عليها أصدق القائلين بأنها فضيلة لا يتمرس بأسبابها إلا أهل الصبر على المكاره، والثبات على المشاق، والذين لهم نصيب كبير في المبرات والمكارم، فيقول بعد آية الدفع بالحسنى:
«وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا، وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ» (3) .
وقد أمر القرآن المجيد بالدفع بالحسنى في القول، فجاء في سورة البقرة:
(1) سورة الأعراف، الآيتان 199 و 200.
(2) سورة المؤمنون، الآيات 96 - 98.
(3) سورة فصلت، الآية 35.