فهرس الكتاب

الصفحة 597 من 1257

وفي الآية وعيد شديد لأولئك الذين يكشفون العورات، ويتتبعون العيوب، ويعملون على إذاعة الفواحش والآثام بين المؤمنين، حتى يسهل أمرها على الراغبين فيها، أو المتطلعين إليها، وتصبح أمرا معروفا مألوفا، يتجارأ عليه من كان بالامس يجهله أو يهابه ويخشاه.

ويقول الشيخ الجبالي في كتابه «شفاء الصدور بتفسير سورة النور» هذه العبارة: «وانك إذا تأملت في تعليق الشيوع بالفاحشة نفسها - مع أن المراد شيوع خبرها والحديث فيها - وجدت بابا آخر من الارشاد. ذلك أن الاسماع التي لم يطرقها حديث الفحشاء، تجد أصحابها في أكمل نفرة من خطراتها على نفوسهم، فإذا ما طرق سمع أحدهم حديث فحش مرة اشمأزت نفسه وأكبرت الأمر، وملكه من الهلع والذعر الشيء الكبير، فإذا ما تكرر على سمعه مرة أخرى كان اشمئزازه أخفّ، ونفرته أقل.

فلا يزال يتكرر حديث الفحش حتى يصبح أمرا مألوفا لا يستنكره ولا ينفر منه، وقد يزيد حتى يستمرئ الحديث ويصغي إليه. وهنا تنفتح أمامه هوة التدهور، فيتردى فيه، وقد مات حارسه، وهو عاطفة الاستنكار والنفرة.

فترى بذلك أن حب شيوع الحديث كحب شيوع نفس الفاحشة، فلا جرم عبر به عنه.

ومما يزيدك استبصارا في هذا، ما ترى من تحرج الآباء عن ذكر مثل هذه الاخبار أمام أبنائهم الاحداث. فما ذاك إلا لما وقر في النفوس من أن ذكر الفحش يلفت النفوس إليه فتردى فيه.

وهل يشك أحد في أن من أساليب الترغيب في الشيء - خيرا كان أو شرا - تكرار ذكر حوادثه وتفاصيل شؤونه»؟.

ومما يشير إلى حرص المجتمع الإسلامي على ستر هذه الأمور الشائنة التي يجب أن تعالج في دائرتها بلا إذاعة أو اشاعة، أنه حينما أخبر هزّال ابن يزيد رسول الله عليه الصلاة والسلام بأن ماعز بن مالك قد ارتكب الفاحشة قال له الرسول: «يا هزال، لو سترته بثوبك لكان خيرا لك» . يقول ابن الأثير: «إنما قال ذلك حبا لاخفاء الفضيحة، وكراهية لاشاعتها» .

ولو انتقلنا إلى روضة السنة المطهرة - وهي المفسرة للقرآن، المفصلة لأحكامه، الكاشفة عن مراميه - لوجدنا أن مادة «الستر» قد تكررت عشرات المرات، ويكفي أن نعود إلى المجلد الثاني من كتاب «معجم ألفاظ الحديث النبوي» لنجد هذه المادة قد شغلت خمس صفحات كبيرة الحجم (1) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت