فهرس الكتاب
عقب نزول الآية إلى السيدة عائشة رضي الله عنها، وعرض عليها الأمر، ونصحها ألا تجيب حتى تستشير أبويها، ولكنها عجلت بالجواب ذاكرة أن الأمر لا يحتاج إلى مشاورة، وقالت: بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة، وأجابت الزوجات الطاهرات كلهن بمثل هذا الجواب، رضوان الله عليهن.
وهكذا كانت كل منهن عندها الإرادة الشخصية الكافية لتقرير الخطة واجابة السؤال.
وهذا هو سيدنا ورائدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام يضرب المثل الأعلى في الإرادة القوية العازمة الحازمة حين يقف في وجه الشرك والكفر قائلا: «والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله، أو أهلك دونه» .
ولقد تحدثت الصوفية عن «الإرادة» على طريقتهم، فورد عنهم أكثر من تعريف للإرادة، فهي عندهم «ترك العادة» ، أو «نهوض القلب في طلب الحق» أو هي «لوعة تهوّن كل روعة» . ويقول الدقاقي: «الإرادة لوعة في الفؤاد، لذعة في القلب، غرام في الضمير، انزعاج في الباطن، نيران تأجج في القلب» . ويقول أبو محمد المرتعش: «الإرادة حبس النفس عن مراداتها، والإقبال على أوامر الله، والرضا بموارد القضاء عليه» . ولعل أقرب أقوال هؤلاء إلى المعنى الأخلاقي هو من يقول ان الإرادة هي مخالفة العادة، أي ترك عادات النفس وشهواتها ورعوناتها، والإقبال على هدى الله عز وجل.
ولقد تحدث القوم طويلا عن «المريد» ، وهو الذي شرع في السير إلى الله، وهم يرونه فوق «العابد» ودون «الوأصل» . ومن صفات
المريد عندهم التحبب إلى الله بالنوافل، والإخلاص في نصيحة الأمة، والأنس بالخلوة، والصبر على مقاساة الأحكام، والإيثار لأمر الله، والحياء من نظره، وبذل المجهود في محبوبه، والتعرض لكل سبب يوصل إليه، والقناعة بالخمول، وعدم قرار القلب حتى يصل إلى وليه ومعبوده.